ما سوف يؤول إليه مسار مفاوضات النووي الإيراني يحدده موقع السلاح النووي في المشروع الإسلامي لإيران ومدى تناغم أميركا-أوباما مع الرغبات الإيرانية.
فهل ثمة تلاقي، ولو تكتي، آني، بين حسابات إيران الإسلامية الإستراتيجية ومصالح أميركا-أوباما الديمقراطية اللاإستراتيجية؟!
إيران ذات وجهان، فارسي وإسلامي. والأول هو في خدمة الثاني وليس العكس. ويخطئ من يقلل من عمق التجذر الجماهيري للنظام السياسي الإسلامي في إيران الذي يمأسس، على عكس إدعاء أصحابه، لون من ألوان الإسلام الأصولي، الأكثر تشددا».
ويخطئ من لا يفهم أهمية ومركزية دور رجال الدين ولا سيما الفقهاء والمجتهدين منهم، في قيادة المجتمع الشيعي الإيراني.
ويخطئ من يستخف بصدق إلتزام القيادة الإيرانية بمشروعها الإسلامي الأممي (ولو من خلال تفسيرها الخاص للمذهب الشيعي الإثني عشري، أعني ولاية الفقيه)، فيعتبر أن ما يحركها هي مصالحها السلطوية داخليا» ومصالحها الإقليمية والدولية خارجيا» وأنها على إستعداد عن التخلي عن أهدافها الإسلامية إن تحققت هذه المصالح!
ويخطئ من يعتبر أن إيران لا تسعى إلى تصنيع السلاح النووي، هي التي قدمت التضحيات الجسام خلال عشرات السنين من أجل ذلك!
فصحيح أن تمدد سيطرة إيران على الإقليم (العراق، الخليج، سوريا، لبنان، فلسطين، افغانستان،…) يحقق بالشكل طموحات وأحلام أمبراطورية فاريسية قديمة، غير أنه بالضمون يشكل خطوات عملية في المسار الطويل لتقدم الثورة الإسلامية الأممية التي تنشدها طهران.
ولا تناقض بين هذا التمدد وتصنيع السلاح النووي، على عكس ما يظنه بعض السذج الذين قد يعتقدون أن بالإمكان «مداكشة» النووي بالسماح لإيران بالتمدد.
والحقيقة تكمن في أن مسيرتي التمدد والنووي مترابطتان، متفاعلتان، تغذيان بعضهما بعضا».
فإستحصال إيران على السلاح النووي، يعدل ميزان القوى الإستراتيجي في المنطقة لصالحها، ويحولها إلى حصن منيع ليس بمقدور أحد أن يحتلها (كما حصل في العراق)، أو حتى يهاجمها أو يغير نظامها من الخارج أو من الداخل، وهو يسمح لها بالتحكم بمخزون الطاقة الهائل في الإقليم، ولا سيما في الخليج، وبالتالي بالإقتصاد العالمي، كونه معولم، كما يسمح لها بتصدير «ثورتها الإسلامية» إلى العالم العربي والعالم الإسلامي والعالم أجمع، بكل ما يتضمنه هذا التصدير من مضامين عنفية وحروب مذهبية وعدم إستقرار!
من خلال هذه القراءة الأولية للتداعيات الضخمة والخطيرة والكونية لموضوع السلاح النووي الإيراني، كم يبدو هزيلا» إختصار خطره على إسرائيل وإعتباره « خطرا» وجوديا»» عليها!
غير أن هذه المقاربة للموضوع النووي الإيراني لا تعني أن لا تداعيات على إسرائيل ولا مخاطر من إيران نووية. فإسرائيل تخسر حصرية الحيازة على السلاح النووي في المنطقة وقد تتفاقم خسارتها إذا ما أطلقت حيازة إيران للسلاح النووي سباق التسلح النووي السني (السعودية، مصر، تركيا) في المنطقة، بالإضافة إلى السلاح النووي الباكيستاني.
وإذا كان من المستبعد (ولكن غير المستحيل) أن ترمي إيران قنبلة نووية على إسرائيل، فيمكن لإيران النووية أن تفكر بتدمير دولة إسرائيل من خلال حماية، تزخيم وتفعيل «مقاومة الصواريخ» في سوريا ولبنان وفلسطين لتدمير قلبها النابض وإحراقه (أعني المربع الساحلي الذي ينطلق من الحدود اللبنانية ويمتد إلى ما بعد تل أبيب مرورا» بحيفا والذي يتركز فيه الإقتصاد والديمغرافيا الإسرائيلية)، مما يؤدي إلى يأس إسرائيلي عارم ينتج عنه هجرة معاكسة تفرغ إسرائيل من سكانها!
يبدو هذا الكلام كالهلوسة! غير أن التطرف الديني والأيديولوجي قد ينتج مشاريع تبدو من نسج الخيال لأصحاب العقول الباردة والمقاربات الموضوعية العقلانية.
وبالمقابل ولهذا السبب بالذات، يجب النظر إلى التهديد الإسرائيلي بضرب المنشآت النووية الإيرانية وبدون مشاركة أميركية أو حتى بمخالفة «الإرادة الأميركية»، على أنه تهديد جدي. فإسرائيل، عندما تعتبر أن ثمة تهديد أساسي لأمنها أو لوجودها، تتصرف بمعزل عن التوجه الأميركي أو حتى بمخالفته وصولا» إلى حد «الصدام العسكري الصديق» معه.
وثمة سوابق لهذا النهج الإسرائيلي: ففي 8 حزيران 1967، يومين بعد إندلاع الحرب، لم تتورع القوات الجوية والبحرية الإسرائيلية من مهاجمة السفينة الأميركية USS Liberty في المياه الدولية قبالة الشاطئ الإسرائيلي بسبب إلتباس الموقف الأميركي والإشتباه بما كانت تقوم به السفينة الأميركية في عرض البحر. وقد كانت حصيلة هذا الهجوم الإسرائيلي 34 قتيلا» و171 جريحا» أميركيا»!
لكل هذه الأسباب، إني متأكد بأن القيادة الإيرانية لا يعقل أن تفرط بمشروع إنتاج السلاح النووي، وإن هي إضطرت إلى التغيير في لهجة تخاطبها مع الغرب و»الشيطان الأكبر» وأبدت إستعدادا» لتقديم بعض التنازلات التكتية، وذلك بهدف إلغاء العقوبات التي أنهكت إقتصادها.
وقد لجأت إلى إستخدام التقية والكتمان من خلال فتوى المرشد بتحريم السلاح النووي شرعا»، وهو يمكنه في أي وقت لاحق إصدار فتوى معاكسة، إن «قضت مصلحة الأمة» بذلك، دون أي حرج.
بالمقابل، يبدو الغرب مع أوباما (المتخلي قناعة عن قيادة أميركا للعالم) منهكا» إقتصاديا» ودون حيل سياسيا» وعسكريا» وبالتالي غير راغب في إستخدام القوة حتى لو أدى الأمر في نهاية المطاف إلى أن تستحصل إيران على السلاح النووي.
وإذا أضيف إلى هذه اللوحة السياسية الدولية، إن أولويات السياسة الأميركية الداخلية والخارجية «تهمش الساحة الشرق أوسطية»، يمكن التوقع أن ترسي المعادلة على تنازل إيراني شكلي في موضوع الرقابة الدولية على المشروع النووي الإيراني مقابل تخفيف أو رفع العقوبات على إيران. مما يسمح لها من إلتقاط أنفاسها وإعادة إستئناف مسيرة تصنيع السلاح النووي في مرحلة لاحقة قد لا تكون بعيدة.
إن وضع كهذا، قد يؤدي إلى ضربة إسرائيلية «إستباقية» على المنشآت النووية الإيرانية قد تولع حربا» إقليمية يصعب التصور أن لا يكون لبنان إحدى ساحاتها.
في ظل صراع الجبابرة، يخشى أن يدفع لبنان الثمن، وهو الحلقة الأضعف، فيكون ضحية المسارات الحربية أو التسووية، ولا سيما «الصفقة الكبرى» التي تحلم أميركا-أوباما بعقدها مع إيران والتي تتعدى إطار معالجة الملف النووي وتتناول رسم دور ونفوذ إيران في المنطقة.
لذلك، حان الوقت لكي يطرح اللبنانيون المتمسكون بالكيان اللبناني فعلا» لا قولا «، القضية اللبنانية على حقيقتها، أي أن لا وجود للكيان والوطن والدولة والطائف والنظام والدستور في ظل الهيمنة الإيرانية عليه وعلى قراره الوطني من خلال حزب الله المدجج بالسلاح الإيراني والذي هو واقعا» جزءا» لا يتجزء من الحالة الإيرانية الإسلامية.
لا يمكن لإيران ولحزب الله، بقوة السلاح أن يفرضوا أجندتهم «المقاومة والممانعة والداعمة للحكم الأسدي» اللبنانية والإقليمية والدولية على غالبية اللبنانيين والتصرف بمصيرهم.
إن سياسة حزب الله المستكبرة تجاه اللبنانيين، تغير من ماهية لبنان الكيان المتوافق عليه، وبالتالي يخشى أن يؤدي موضوعيا» إستمرار الحزب بسياسته هذه إلى تصدع لبنإن وإلى طلاق اللبنانيين!