مجلس الشيوخ الأميركي بشطريه الديموقراطي والجمهوري تقدم بصيغة حل وإن يكن موقتاً لموضوع سقف الدين الأميركي وإبعاد شبح توقف الدولة الأميركية عن الوفاء بالتزاماتها، سواء منها الالتزامات الداخلية أو الخارجية، الكونغرس الذي غالبيته من الجمهوريين المناهضين لسياسات الرئيس باراك أوباما تقبل صيغة مجلس الشيوخ ووافق عليها. لذا فان شبح الافلاس، واستمرار تسريح 800 ألف موظف من الادارة الأميركية أبعدا حتى أواسط كانون الثاني 2014، والبحث في الموازنة سيكون في شباط.
والمخاوف التي ساورت نظام النقد العالمي تبدّدت ولو الى حين، لكن دور الدولار في النظام المالي العالمي لا بد من توضيحه وتثبيته.
ومن الضروري ارساء قواعد بعيدة المدى للسياسات المالية والنقدية للولايات المتحدة لان هذه السياسات لا تزال حتى تاريخه الاساس الذي يستند اليه نظام النقد الدولي الذي تحلحل خلال السنوات الخمس المنصرمة من غير ان تجترح حلول جذرية له لا في الولايات المتحدة ولا في اوروبا. وبلدان الفوائض على حساب ميزان مدفوعاتها، ولا سيما منها المانيا والصين في حيرة أمام التطورات الجارية والدور المطلوب من كل منها كما من اليابان ودول انتاج النفط وتصديره.
كانت الولايات المتحدة حتى عام 1971 تعتمد نظاماً يسمى نظام القاعدة الذهبية. فالاحتياط الفيديرالي كان ملزماً بيع الذهب للدول التي تحقق فوائض على حساب ميزان مدفوعاتها بسعر 35 دولاراً للاونصة. وحيث ان الولايات المتحدة بدأت تعاني في ذلك الوقت عجزاً متنامياً في الموازنة بسبب حرب فيتنام، اقدم الرئيس نيكسون على تعليق العمل بهذا النظام وتالياً صارت العملات الرئيسية العالمية معومة باستثناء عملات بعض البلدان الرئيسية التي كانت تفرض قيوداً على التحويلات مثل فرنسا حتى اواسط الثمانينات عندما حررت عملتها ومن بعد صارت العملات الاوروبية الرئيسية باستثناء الاسترليني هي الأورو.
ودور الدولار في النظام المالي العالمي اكبر بكثير من حصة الدولار في تمويل حركة تمويل التجارة العالمية وهي تبلغ 65 في المئة، في حين ان الاقتصاد الاميركي بات يمثل فقط 12 في المئة من الاقتصاد العالمي. ويستطيع الاميركيون التحكم بأي تحويلات بالدولار لان مركز المقاصة الرئيسي لنظام SWIFT أي النظام الالكتروني للتحويلات هو في بروكسيل وتحت السيطرة الاميركية الكاملة بالنسبة الى التحويلات أكانت على مستوى 2000 دولار أم 20 مليون دولار الخ.
ان السيطرة الاميركية لا تقف عند مستوى التحويلات التجارية والفردية بالدولار بل هي تشمل ودائع من يحملون الجنسية الاميركية في أي مؤسسة مصرفية في العالم. فالاميركيون شرّعوا قانون FATCA الذي يوجب على المصارف كشف حسابات زبائنها بالدولار ان كانوا يحملون الجنسية الاميركية، متزوجين من أميركيين او أميركيات، او يحملون بطاقتي الاقامة والعمل، ومن هؤلاء مثلاً 24 الف لبناني ولبنانية. والمصارف التي تتغاضى عن شروط FATCA عند بدء تنفيذ القانون قد تكون عرضة لايقاف تحويلاتها بالدولار لاي غرض.
وللأميركيين كذلك اليد الطولى في صياغة توجهات البنك الدولي. ويجب التذكير بان هذا البنك انشئ اصلاً لتمويل اعادة اعمار اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بأموال اميركية وقيادة ادارية اميركية، ولا يزال اختيار رئيس البنك الدولي محصوراً بالرئيس الاميركي لشخصية اميركية مميزة.
واتفاقات بريتون – وودز التي وضعت عام 1944 لتأمين اطار لنظام النقد العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية استندت الى مشروع وضعه الجنرال جورج مارشال الذي تولى وزارة الخارجية عام 1947 لتوفير مساعدة اقتصادية لأوروبا. وكان الاميركيون أصلاً اسياد الاقتصاد العالمي لان بريطانيا التي كانت في السابق وحتى عقد الثلاثينات الدولة التي توفر الجنيه الاسترليني للتجارة العالمية، خرجت من الحرب مدينة بمبالغ كبيرة للولايات المتحدة. والمانيا كانت مهدمة وكذلك ايطاليا وان بنسبة اقل لان الايطاليين لم يحاربوا كالألمان فتوجهاتهم اقل شراسة. ومستقبل اوروبا الاقتصادي والسياسي ارتهن بما يسمى مشروع مارشال.
وتلك الاتفاقات ألقت مسؤولية تمويل اعادة اعمار اوروبا على البنك الدولي لاعادة الاعمار والانماء (البنك الدولي حالياً)، كما ركزت قضايا الاستقرار النقدي العالمي لدى صندوق النقد الدولي. ومع ان غالبية رؤساء صندوق النقد الدولي كانوا من الفرنسيين، فان القرارات الرئيسية رهنت بموافقة الولايات المتحدة وبريطانيا، وهذا الوضع لا يزال قائماً، علماً بان الصين منحت حصة في تمويل صندوق النقد الدولي تبلغ نسبة خمسة في المئة بعد تفجر الازمة المالية العالمية عام 2008. وحتى تاريخه من يملكون حق التصويت بنسبة 22 في المئة من الاصوات في صندوق النقد الدولي يمكنهم اجهاض أي قرار رئيسي. هذه النسبة لا تزال متاحة للولايات المتحدة وبريطانيا، والدولتان لم تفترقا في هذا المجال في أي زمن. ومنحت فرنسا دوراً تمثيلياً في الصندوق لانها شاركت بفريق شارل ديغول في الحرب الى جانب الحلفاء، لكن قرار اختيار رئاسة الصندوق لا يزال رهن خيار الولايات المتحدة وبريطانيا.
ان السيطرة الاميركية على تحويلات التجارة العالمية بنسبة 65 في المئة وعلى قرارات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما فرض تشريعاتها المالية والتحققية على بقية الدول، تعني ان تعثر أي اتفاق طويل المدى على السياسة النقدية في الولايات المتحدة امر يستوجب اعادة النظر بصورة جدية في نظام النقد الدولي.
هذه المهمة، اعادة النظر في نظام النقد الدولي، باتت ملحة منذ تحرير التزام الولايات المتحدة قاعدة التحويل الذهبي. لكن المساعي تقتضي وجود قوى اقتصادية تستطيع فرض الانتباه الى ضرورة تعديل هذا النظام.
ليست هنالك كتلة اقتصادية تستطيع التصدي لهذا الموضوع. فالدول الاوروبية التي اعتمدت الأورو منذ عام 2002 تشكل نسبة 80 في المئة من الاقتصاد الاميركي، لكنها تعاني حالياً مصاعب كبيرة في الحفاظ على الأورو، وهنالك بلدان مثل اسبانيا والبرتغال واليونان وقبرص تشكو من معدل بطالة يفوق 20-25 في المئة، ووضع كهذا لا يسمح لهذه البلدان بان توسع التزاماتها لتؤمن خدمات تمويلية دولية على مستوى ينافس الاميركيين.
وهنالك دول بدأت تسعى الى توسيع اعتماد عملاتها في تجارتها العالمية، منها الصين واليابان، وهاتان الدولتان هما اكبر دائنين للولايات المتحدة (1٫3 تريليون دولار الصين و1٫2 تريليون دولار اليابان) ولا تستطيع أي من الدولتين او كلتاهما وحتى لو انضمت الى هذه الكتلة روسيا وجنوب افريقيا والهند والبرازيل وبعض دول النفط المخاطرة باجهاض دور الدولار في الاقتصاد العالمي.
الصورة واضحة ومخيفة. اذا فشل الاميركيون في الاتفاق على برنامج طويل المدى قد يواجه العالم ازمة اكبر واوسع واعمق من ازمة 2008 التي لا تزال آثارها ماثلة حتى تاريخه.