اللواء الشهيد وسام الحسن وضع على اللائحة السوداء. أَوَليس هو من اكتشف مخطط سماحة المملوك. لتفجير الجوامع وقتل بعض النواب ورجال الدين؛ طُورد طويلاً ثم أصابته المتفجرة وقضت عليه، البصمات القاتلة معروفة ولكن الممنوع أن تعلن. واذا كان لا بد من ذلك فها هي أبواق المجرمين ومرتزقتهم يوجهون الاتهام إلى “الغير” ويحمّلون مسؤولية الضحية استشهاده. أكثر: يمثّل بعض الأقلام الاعلامية والصحافية بشخصية الشهيد، كما مثّلوا بجثته. لا رادع. ولا أسف. ولا تراجع: ولا شيء سوى شماتة معلنة من تلك الأطراف، كأن توزع الحلوى فرحاً… أو يطلق الرصاص ابتهاجاً!
وعلى امتداد الحروب، حروب الطغاة العرب بالتضامن والتكافل مع اسرائيل، شهدنا من فصول القتل العديد، ومن مشهدياتها ما يُروّع ومن آثارها ما يُدمي، ومن مخلفاتها ما يقلّب الأوجاع، والغضب والصراخ. وحدهم القتلة لا يصرخون. لأن صراخهم يعبرون عنه بالرصاص. والمتفجرات والاغتيالات. حتى عندما يكون للناس أن تعترض على هذه اللغة، بحرقة وتطالب بكشف الفاعلين (المكشوفين)، عندها يوضعون في لائحة الخيانة العمومية. الخونة القتلة: يخونون الضحية وأحياناً يمشون في جنازته (تذكروا أن ممثلين رسميين للنظام السوري اصطفوا مع المعزين باستشهاد الزعيم كمال جنبلاط والرئيس رينه معوض وأحياناً يذرفون دموع التماسيح كما حدث عند اغتيالهم الرئيس الحريري.
فالقتل هو اللغة الشائعة المعممة والمسموح بها، لكن يختفي القاتل. يغتالون لأسباب سياسية، ثم يتهمون كل من يحاول المطالبة بمحاكمتهم، بتسييس القضية. فالمحكمة الدولية مسيسة. واتهام المتورطين بقتل الحريري مسيّس. وأخيراً التوصل إلى تحديد واضعي السيارتين المتفجرتين في طرابلس هو مسيس. وحتى اعتراف الجاني بجنايته مسيس. واعلان الجِهة الداخلية مسيس. وكذلك الخارجية. وحتى متفجرة الضاحية لا نعرف حتى الآن شيئاًَ عنها سواء التي أودت بحياة العشرات من المواطنين أو تلك التي اكتشفت قبل أيام عشية عيد الأضحى. لا شيء! ويكفي أن يُعلن حزب الله أن التكفيريين هم وراء هذه الجريمة حتى يحسم الموضوع. فلا تحقيقات جدية. ولا محاكمات. ولا حتى متابعات او ملاحقات. الجريمة تبقى في قلب المجرم. وويل لكم ان اردتم ان تجتهدوا او ان تحاولوا اختراق الخطوط الحمر. فمثل هذا الاختراق قد يؤدي إلى اكتشاف الخيوط والوجوه والسلاح والأسماء والمصدر والأصل: فلماذا لا يكون من أهل البيت ومن أهل الصف الواحد! وطبعاً، فنهنئ مخابرات الجيش على كشفهم هذه السيارة المحملة بـ50 كيلوغراماً من المتفجرات. نعم! نهنئهم لأنهم جنبوا وقوع مجزرة في اهلنا في الضاحية. لكن ونحن نهنئ الجيش على هذا النجاح المشكور، ها هم محترفو التشويه يتهجمون على شعبة المعلومات وقوى الأمن. لاكتشافهم واضعي السيارتين المفخختين امام المسجدين في طرابلس. والغريب ان هؤلاء وصل بهم الأمر إلى تخوين الشعبة لكشفها الادوات المنفذة ومن وراءها. هذا ما حصل مع المحكمة الدولية عندما بدأت تعلن اسماء متورطين باغتيال الرئيس رفيق الحريري: انها محكمة اسرائيلية ـ أميركية ـ صهيونية ـ فرنسية. وعندما نجحت شعبة المعلومات بتقنياتها ووسائلها في رصد اتصالات الفاعلين والتقطت خيوطاً أساسية، ومكالمات ولقاءات، انهال عليها مَنْ وراء القتلة بأبشع الاتهامات وأحقر التهديدات… والصاق تهم العمالة بها. وكلنا يذكر حكاية ميشال سماحة وعلي مملوك (وَمَنْ وراءهما بالطبع)، كيف دفع اللواء الحسن حياته ثمناً لهذا الانجاز الكبير، وإحباط فتنة مذهبية كان يعدها النظام البعثي في الشمال. والكل سمع أو تناهى اليه أو قرأ، ان العديد من المتورطين بقتل الحريري مثلاً قتلوا بظروف غامضة. أو “استنحروا” أنفسهم أو اختفوا. (للذكرى أين صار شاكر العبسي بعد سقوط مخيم البارد في أيدي الجيش. وأين صارت عائلته؟ الجواب مستحيل) بل وأين صار المتهمون الخمسة باغتيال الحريري (الأدوات فقط! انت تتعامل مع الأدوات فقط. لكن حتى الأدوات باتت مستحيلة المنال. لأن بعضها وضع من قبل حزب الله في مصاف القديسين والأولياء!) وأظن أن مخابرات الجيش وشعبة المعلومات وجهات أخرى تعرف أين هم. وفي أي منزل. وفي أي منطقة. لكن أليس هناك شميم تواطؤ أو “أن العين بصيرة واليد قصيرة” فالمشكلة التي يعانيها اللبنانيون هي أن كل جريمة نكراء يرتكبها أهل السلاح تبقى بلا عقاب وكل محاولة بحث عن فاعليها… جائزتها العقاب. معاقبة الباحث عن المجرم، لقاء تبرئة هذا الأخير أو تجهيله.
ونتذكر أن زمن الميليشيات الغزيرة في لبنان، لم يكن تبنّي هذه الميليشيا أو تلك هذه الجريمة أو المجزرة إلا لأن ذلك كان جزءاً من ذهنية “المقاومات” أو الخرق، أو المنظمات وطريقة نضال “دفاعاً عن الذات” وكان وجهاً من وجوه “الانتصار” ان تُدمّر قرية أو مدينة من قبل من غزاها أيام الحرب، وان يُسحل “الأعداء” فيها ويعدمون وتبقر بطون الحوامل. كل ذلك كان يتم أحياناً أمام الكاميرات. (راجعوا أرشيف تلك المراحل). يومها لم يكن هناك دولة أو جيش أو قوى أمن أو قضاء أو محاكمات… لا شيء: الميليشيات كانت الُحكم والحَكم”. من مواصفات الأبطال أن يكونوا قتلة اليوم. لم يتغير شيء، ما زالت هذه النظرية الغستابوية مستمرة إلاّ في “تفصيل” ما: الأبطالُ القَتَلة هم الضحايا والضحايا هم قتلة أنفسهم. حزب الله لا يفرّق بين القاتل والمقاتل. فمن شروط المُقاتِل ان يكون قاتلاً بلا رحمة. وبلا أسف. أوليس هذا ما نُعِتَ به بعض المتهمين باغتيال الرئيس الحريري: “لا بشهر ولا بشهرين ولا سنة ولا سنتين ولا بـ300 سنة… سيُسلم هؤلاء المتهمون للقضاء (تصريح السيد حسن نصر الله) وعندما نقول حزب الله نعني أيضاً النظام السوري أحد رواد القتل “الميامين” في هذه المنطقة: ونتوقف هنا مثلاً عند مجزرة الكيماوي: قضى حوالى 1500 سوري أعزل بصواريخ الكيماوي: فاتهمت المعارضةُ وأبواق النظام وكذلك مرتزقة حزب الله المعارضةَ بهذه المذبحة ونتذكر “حرب مخيم نهر البارد” وبطلها العميل شاكر العبسي. في البداية وضع السيد حسن نصر الله للجيش خطاً أحمر. “نهر البارد خط أحمر”. وعندما تجاوز الجيش هذا “المحظور ارتدت الأبواق لتتهم 14 آذار وتحديداً تيار المستقبل باستقدام وتمويل العميل (فتح الاسلام فصيل ألّفه ولحنه ووزعه النظام السوري) باعتبار هؤلاء كان من أهدافهم إعلان “إمارة إسلامية في الشمال”. ومَنْ غير “السنّة” عنده مثل هذه المخططات “البعثية” و”الايرانية” في لبنان. ونتذكر متفجرات سماحة ـ المملوك: نشط اعلام مرتزقة 8 آذار ومن بينه صحف ومحطات تلفزة، بأن الشهيد وسام الحسن “استدرج المجرمين” ولفق المسألة، ودس الأسلحة في سيارة سماحة… بل أكثر: عندما نجحت شعبة المعلومات بكشف العميل الاسرائيلي (من قيادات التيار العوني) فايز كرم بادر عون في البداية إلى اعتبار هذا “الأخير” يهوذا الاسخريوطي (مشبهاً نفسه أي الجنرال بالمسيح). لكن بعد ذلك نظّمت حملة إعلامية على وسام الحسن تتهمه بإلصاق التهمة بالعميل “المفدى” كرم… ثم تمت تسوية بضغوط من النظام السوري (مدبر هذه العملية) وحزب الله بحبس كرم سنة ثم أفرج عنه واستُقبل بعد خروجه من السجن برش الرز على رأسه (“الوطني” “الحر” “الممانع” و”المقاوم”) ونحر الذبائح له… فتأمّلوا أن حزب المقاومة يمارس ضغوطاً إما لتبرئة عميل اسرائيلي أو لتخفيف الحكم عليه، في الوقت الذي كان السيد حسن نصر الله أعلن: يجب إعدام كل من تثبت عمالته لاسرائيل! (كلام الليل يمحوه النهار): حتى الضابط الطيار سامر حنا الذي قتله أحد “أبطال حزب الله” في وضح النهار في “سجد”.. دافع ميشال عون عن قاتله، واتهم الشهيد وحاكمه بعد موته “شو كان عميعمل سامر حنا هونيك، أي في سجد” يتكلّم عن ضابط في الجيش اللبناني. تأملوا “جنرالاً” يتبنى هذا المنطق (فما أنقى ضميره المسيحي) وهو المدافع عن الوجود المسيحي حتى في الشرق، وما اصفى ضميره الوطني، (وهو التيار العوني)، وما أعذب ضميره الانساني (وهو الذي يحاضر أحياناً في السلوك الحضاري). ففي الذكرى الأولى لاستشهاد وسام الحسن تبدو كل “الظواهر” الميليشيوية السابقة متجسدة بالحزب الميليشيوي.. وحلفائه في 8 آذار: أقلية تتحكم بالاكثرية بقوة السلاح، والبطش والخطف والنهب (نهب موارد الدولة) والفساد (الكبتاغون، توزيع الأدوية… تبييض الأموال، اللحوم الفاسدة): الوقائع تكاد تكون متشابهة والممارسات متماثلة وجنون العنف اكبر وشبق التسلط اخطر والمشروع “الأيديولوجي” (الهلال الصهيوني الذي يبدأ بايران والعراق وسوريا، لبنان فاسرائيل) أرهب، وعقلية الكانتونات اشرس (الكانتونية نوع من القتل الرمزي والمادي لوحدة الأرض والوطن والعمالة اقوى: مثلاً لم يتح أي ميليشيا أيام الحرب بولائها المطلق للخارج. (مع أنها جميعها ظواهر بإرادات خارجية). أما اليوم فلم يعد عندنا لا رفع عتب ولا خجل ولا استحياء: فحزب الله يعلن بكل فخر إيمانه العميق بولاية “الفقيه” و”انه من جنوده”. تأملوا حزباً يشارك في الحكومة والدولة، يعلن افتخاره بالعمالة للخارج: فلبنان إذاً أول دولة يفتخر فيها العملاء بعمالتهم علناً. ميشال عون وتياره لا يختلفان عن حزب الله! من جبلة واحدة حتى لتكاد تعجز أحياناً عن تمييز من تماهى بالآخر: حزب الله تماهى بلغة عون او عون هو الذي تماهى بحزب الله؟ فيا للمصادفات “الوطنية” الرائعة: اصالتان تتعانقان في الاخلاص للوطن وللشعب (وكلاهما من ابطال التحرير! رائع!).
نحاول في ذكرى استشهاد الكبير وسام الحسن العودة إلى هذه الشواهد القليلة “غيض من فيض” على امتداد اربعة عقود لنقول إن هناك اقلية محورها حزب الله (ذو الذريعة المذهبية) ما زالت تتحكم بأكثرية الشعب اللبناني وتشويه صورة هذا البلد وتقويض كل ما يمت بصلة الى الدولة والجيش وقوى الأمن والأمن العام والنظام والبرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية والقضاء… اما الفارق بين ميليشيا حزب الله (عمالة مطلقة عمياء لايران الفارسية)، وبين الميليشيات السابقة، ان هذه الأخيرة سعت فاشلة إلى تحويل لبنان مجموعة جمهوريات كانتونية مذهبية… اما حزب الله فيسعى الى تحويل كل لبنان بتاريخه وناسه وجغرافيته الى كانتون ايراني سوري ترعاه وتباركه اسرائيل! فيا لعظمة هذه الوحدة الوطنية وطغاتها!
وأخيراً: تحية لروح الشهيد وسام الحسن هذا البطل الذي واجه بشجاعة نادرة، وبوطنية استثنائية هؤلاء القتلة والعملاء والانعزاليين ورواد التقسيم بامتياز!