#adsense

هل يُعطّل الإنتخاب بالنصاب؟

حجم الخط

نَصّت الفقرة الثانية من المادة 49 على أنّ «رئيس الجمهورية يُنتخب بالاقتراع السري بغالبيّة ثلثَي مجلس النواب في الدورة الأولى، ويُكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تَلي. وتدوم رئاسته ست سنوات، ولا تجوز إعادة انتخابه إلّا بعد ست سنوات لانتهاء ولايته. ولا يجوز انتخاب أحد لرئاسة الجمهورية ما لم يكن حائزاً الشروط التي تؤهله للنيابة وغير المانعة لأهلية الترشيح».

أمام احتدام الآراء حيال الغالبيّة المطلوبة لمعرفة حجم النصاب المطلوب لانتخاب رئيس الجمهورية، برَز رأي يعتبر أنّ الغالبيّة المطلوبة لانعقاد جلسة الانتخاب هي الغالبية العادية، أي النصف زائداً واحداً من أصل أعضاء المجلس، وذلك بسبب عدم النَصّ صراحة على وجوب توافر غالبيّة الثلثين. في المقابل، إعتبر البعض أنّ عملية انتخاب الرئيس لا بدّ من أن تُعبّر عن إرادة أكبر عدد ممكن من ممثّلي الأمة، كي يستطيع الرئيس القيام بمهماته الخطيرة.

واعتبر إدمون رباط أنّ هذه الغالبية (أي غالبية الثلثين لانتخاب الرئيس) تستند إلى نصاب يتكوّن من مجموع أعضاء المجلس النيابي، لا من ثلثَي عدد النواب الحاضرين في الجلسة، بينما رأى البعض الآخر أنّ النصاب المطلوب على الأقل لانعقاد جلسة الانتخاب بصورة قانونية يمكّن حيازة الأكثرية المطلقة في دورة الاقتراع الأولى.

يذكر أنّ لجنة مكتب مجلس النواب ولجنة الإدارة والعدل كانتا قد اجتمعتا لهذه الغاية واتخذتا قراراً صريحاً في 5 أيار 1976، أكّدتا فيه النهج المتّبع لجهة أن يتألّف النصاب من ثلثَي أعضاء المجلس، لا من النصاب العادي المنصوص عنه في المادة 34 من الدستور، ولا بد من أن ينال المرشّح في الدورة الأولى ثلثي أصوات أعضاء المجلس، الأمر الذي يفترض وجوب حضور هذين الثلثين، ومن دونهما لا يمكن بدء الجلسة والمباشرة بالانتخاب.

أما إذا لم تتأمن غالبيّة الثلثين كي يُعتبر مجلس النواب ملتئماً قانوناً وذلك قبل موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية بشهر على الأقل أو شهرين على الأكثر بناء على دعوة رئيسه لانتخاب الرئيس الجديد، وإذا لم يدعَ المجلس لهذا الغرض، فإنه يجتمع حكماً في اليوم العاشر الذي يسبق انتهاء ولاية الرئيس وفقاً للمادة 73 من الدستور. والسؤال الذي يطرح هنا: ماذا يحصل إذا لم تحضر غالبية تشكّل ثلثي أعضاء مجلس النواب لانتخاب رئيس حتى في الاجتماع الحكمي؟ من هنا نرى أن امتناع النواب عن الحضور يعتبر تخلّفاً عن القيام بواجب دستوري مُلقى على عواتقهم من شأنه عرقلة انتقال السلطة بطريقة دستورية، بحيث يجب أن يَنصّ الدستور على حضور النواب بصورة إلزامية تحت طائلة اعتبار المجلس منعقداً إذا تأمّن حضور الغالبية المُطلقة من أعضائه.

وقد حسمت هيئة مكتب مجلس النواب ولجنتا الإدارة والعدل والنظام الداخلي النصاب المطلوب للبدء بعملية انتخاب رئيس الجمهورية، فأكدتا في اجتماعهما بتاريخ 17/8/1982 وجوب حضور أكثرية الثلثين في الجلسة الأولى التي تعقد لهذه الغاية، على أن يُكتفى بالغالبية المطلقة في الاجتماعات والدورات التالية.

لكنّنا، وإن كنّا نعتقد بمَا توصلت إليه هيئة مكتب المجلس، إلّا أنّنا لا نرى حاجة لتفسير الدستور في هذا المجال، إذ لو أراد المشرّع الدستوري في المادة 73 نصاباً خاصّاً لانتخاب الرئيس لَكانَ نَصَّ على ذلك صراحة، ما يعني أنّ هذه المادة ليست مادة نِصاب للانعقاد بل مادة انتخاب، حيث يُكتفى بحضور الغالبية المطلقة للأعضاء في الدورة الثانية، من أجل اعتبار المجلس منعقداً بصورة قانونية في حال لم يحصل الرئيس على غالبية الثلثين في الدورة الأولى لتأمين هذا النصاب، وفقاً لِما هو منصوص عنه في المادة 34 من الدستور. وبالتالي، ينعقد المجلس بحضور الغالبية المطلقة من عدد النواب في الدورة الثانية، ويفوز المرشح الذي نال هذه النسبة انطلاقاً من دورة الانتخاب الثانية، وهذا ما أكدته آراء أخرى.

أما إذا كان البعض يخاف من أن ينتخب النواب المسلمون إضافة إلى نائب مسيحي، الرئيس، بالغالبية المطلقة، فيَجب توضيح نصاب الدورة الثانية صراحةً في الدستور، لكن ذلك سيعرقل حكماً انتخاب الرئيس كما حصل في العام 2007، لأنّه من الصعوبة بمكان الاتفاق على رئيس توافقي، وحصول أيّ فريق سياسي آخر على تأييد غالبية الثلثين. وبالتالي، سيُهدّد الفراغ هذا الموقع، وسيكون شبيهاً بموقع رئاسة الحكومة المشغول بتصريف الأعمال والشاغِر بحكومة غير قائمة، لأنّ قوى التعطيل قد تعاظَمت قدرتها على شَلّ معظم إدارات الدولة، وبات حق الفيتو يتقدم على وجوب التسليم بعدم جواز حصول الشغور في المؤسسات الدستورية والإدارية والقضائية والعسكرية وسواها.

فهل يتعرّض هذا الموقع للفراغ مجدداً بعدما استسهَل البعض تعطيله بحكومات قابلة للسقوط بغير الآليات الدستورية؟.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل