عام كامل على غياب رئيس شعبة المعلومات اللواء وسام الحسن مرّ سريعاً، لكن وقع هذا الغياب يبقى ثقيلاً على رفاق الدرب.. غياب لا يملؤه إلا وسام على الرغم من الإنجازات الوطنية الكبيرة التي حققها هذا الجهاز، وآخرها كشف وتوقيف منفذي التفجيرين الإرهابيين في طرابلس ومن يقف خلفهم.. ولا شكّ أن المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي هو أكثر من يفتقد هذه الشخصية الفذّة في زمن يمعن المتربصون بلبنان شراً على المضي في مخططهم الجهنمي.
في الذكرى السنوية الأولى لغيابه، يعترف اللواء أشرف ريفي أن “أكثر ما أفتقد في هذه المرحلة العصيبة وسام الحسن الذي يفتقده لبنان والعالم العربي أيضاً وكل أعداء إسرائيل، خصوصاً بعدما استطعنا مع وسام تفكيك 33 شبكة إسرائيلية، وتمكنا عملياً من ضرب المنظومة الأمنية المخابراتية للعدو الإسرائيلي ولم يقتصر الأمر على تفكيك شبكات التجسس العائدة له”. وعندما يستشرف ريفي صعوبة المرحلة من الناحية الأمنية، والحاجة الملحّة الى وجود شخصية وسام، يسارع الى القول: “لا أبالغ إذا قلت.. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر”. ويكشف أن “النوعية التي استحدثت في الحقل الأمني في لبنان من خلال شعبة المعلومات، باتت قادرة على مواجهة الوحش الكبير البارع في حقل الاغتيالات، لأننا لم نكن أمام مجرم عادي إنما أمام مجرم كبير واستثنائي”. يرى أنه “من الأسباب التي اغتالت وسام كثيرة وكبيرة، أولها دوره في المحكمة الدولية وثانيها ملف سماحة المملوك، وثالثها أنه وريث أشرف ريفي على رأس مؤسسة قوى الأمن الداخلي”. معتبراً أن “جزءاً من اغتياله هو اغتيال مستقبل الأمن في لبنان، فوسام كان خامة استثنائية، قادر على إكمال خط أشرف ريفي مع لمسة قد تشبه وسام الحسن لأن لكل شخص بصمة خاصة به”. ومؤكداً أن “القصد من هذا الاغتيال هو اغتيال الأمن السيادي في البلد، ومحاولة اغتيال المحكمة الدولية التي يعجزون عن النيل منها لأنها باتت أمراً واقعاً وهي الآن بحماية المجتمع الدولي”.
لا يستبعد ريفي، أن تكون “محاولات تطويع قوى الأمن وإخضاعها من الأسباب التي قادت الى جريمة 19 تشرين الأول 2012، لأننا من الأساس كنا جهازاً أمنياً سيادياً في لبنان، والى حد كبير كنا متفلتين من قبضة سوريا و”حزب الله”، منعنا أن يكون لأحد دخول أو تأثير علينا وعلى عملنا ودورنا، كنا ننفذ عملياتنا بشكل سري ومن دون أن يعرف بها أحد”، مبدياً أسفه لأن “الصيغة والترتيبات الأمنية الصحيحة والفاعلة، والمناعة العالية جداً التي تتمتّع بها قوى الأمن الداخلي، جاء الردّ عليها باغتيال وسام الحسن وإخراج أشرف ريفي من قوى الأمن الداخلي”.
عندما يُسأل ريفي في مقابلة مع “المستقبل” لمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاغتيال اللواء الشهيد، ماذا يفتقد بعد عام كامل على غيابه، يختصر الجواب بكلمتين: “أفتقد وسام”. ويقول: “وسام الحسن يختصر قدرة أمنية ـ سياسية هائلة جداً، ويعكس اإجازات هامة جداً على مستوى الأمن اللبناني وعلى مستوى الأمن العالمي أيضاً.. لا شك أنني خضت تجربة مع وسام الحسن بعد العام 2006، ثم كان لدينا التزام صارم بحماية أمن لبنان من أي خطر يمكن أن يتهدده. وكان لدينا التزام أيضاً بمواكبة لجنة التحقيق الدولية أو المحكمة الدولية من أجل العدالة لرفيق الحريري رحمه الله، ولكافة الشهداء الذين قضوا في المسلسل الإجرامي الذي كان يستهدف هؤلاء ولبنان أيضاً. كان علينا أن نبني قدرة لم تكن متوفرة للبنان كافة لمواجهة الأخطار التي كنا نراها، بدءاً بالمسلسل الإجرامي الذي بدأ مع محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة، ثم اغتيال الشهيد الكبير الرئيس رفيق الحريري ثم الشهداء الآخرين”.
يغوص في التجربة الحافلة بالنجاحات والإنجازات، والنقلة النوعية التي استحدثاها في الحقل الأمني في لبنان، فيقول “لقد وضعنا تصوراً لكيفية إنشاء القطعة الأمنية القادرة على مواجهة هذا الوحش الكبير، لأننا لم نكن أمام مجرم عادي إنما أمام مجرم كبير واستثنائي، وضعنا التصور والقدرات التي نحتاجها والتجهيزات والإمكانيات المادية وحاجتها الى التدريبات النوعية وحجمها، ثم بدأنا بالبناء، والحقيقة أننا بنينا وبدأنا في تحقيق الإنجازات. لقد واكبنا ملف التحقيق الدولي ونفاخر أننا واكبنا هذا التحقيق. ولكن نحن من أسس هذا الملف، ثم أتت لجنة التحقيق الدولية التي أكملت العمل، والآن أصبحنا أمام المحكمة الدولية التي بدأت عملها.. الحقيقة هذا ما افتقدته بوسام الحسن الذي افتقده لبنان، وبالتأكيد افتقده أشرف ريفي، وافتقده العالم العربي أيضاً، خصوصاً بعدما استطعنا مع وسام تفكيك 33 شبكة إسرائيلية، أي عملياً تمكنا من ضرب المنظومة الأمنية المخابراتية للعدو الإسرائيلي ولم يقتصر الأمر على تفكيك شبكات التجسس العائدة له”. ويضيف: “هذا الأمر يُعد إنجازاً غير مسبوق في تاريخ العالم العربي وفي تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، إذ لم يسبق لجهاز أمني عربي أن حقق ما أنجزناه نحن.. لذلك لا أبالغ إذا قلت إن العالم العربي افتقد وسام الحسن، كما افتقده كل أعداء إسرائيل، هذا ما فقدناه به فعلاً”.
وعمّا إذا كان غياب وسام الحسن شكّل ثغرة أمنية، على الرغم من الإنجازات التي حققتها قوى الأمن الداخلي، لا سيما شعبة المعلومات، يردّ ريفي بصراحته المعهودة “نحن أبناء هذا الشرق، حتى لو بنينا مؤسسة.. وحكماً بنينا مؤسسة، يبقى للشخص دور مهم جداً، في المقابل إذا أردنا أن نصف وسام، نقول إنه بنى مؤسسة ستبقى عاملة حتى لو خرج هو عن رأسها، لكن بالتأكيد تبقى هناك نسب معينة للشخص، هذا ما فقدناه… لذلك نقول من إنجازات وسام الحسن أنه بنى مؤسسة إنما خصوصيات الشرق تعطي دائماً هامشاً معيناً للشخص الذي خسرناه بوسام الحسن، ولا أبالغ إذا قلت “وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر”.
وبرأي المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي وبالاستناد الى خبرته الأمنية والسياسية، “البلد يمر اليوم بمرحلة خطرة، كنا نمر بظرف صعب لكن الظروف اليوم أصعب بكثير، حكماً كان لبنان بحاجة ماسة الى وسام الحسن في هذه المرحلة.. أما وإن ما حصل قد حصل، نحن واقعيون، فإذا لم يجرِ اغتيالنا ولم نستشهد هناك أجل لكل إنسان. يوماً ما كان سيخرج أشرف ريفي من مؤسسة قوى الأمن وقد خرج، وكان سيأتي اليوم الذي سيخرج فيه وسام الحسن، لكنه غادر مبكراً وللأسف بالاغتيال، وخروجه لم يكن خروجاً طبيعياً، لأن من حقنا أن نخرج بالتقاعد أو بقرار من مجلس الوزراء أو بقرار سياسي، لكن قرار المجرم لم يكن كذلك، إنما كان قراره الاغتيال”.
لا يخفي ريفي أنه سيكون “أكثر اطمئناناً على قوى الأمن وعلى الأمن في لبنان، لو بقي وسام الحسن حياً وخلفني في المؤسسة، لأن وسام كان خامة مهمة جداً.. لا أشكك بالموجودين، بل على العكس لهم مني كل الثقة والاحترام والتقدير، لكن لا شك أننا كنا نجهز وسام ليكون من بعدي تماماً إذا كان الظرف السياسي يسمح بذلك، وإنما أعتقد أن جزءاً من اغتياله هو اغتيال مستقبل أشرف ريفي، إنما أعود لأؤكد أن العميد ابراهيم بصبوص له مني كل الثقة والاحترام، والعميد روجيه سالم كذلك رغم أن فترة وجوده على رأس المؤسسة قصيرة جداً.. هناك خامات في المؤسسة، ووجودها لا يتوقف على شخص، ما أردت أن أقوله إن وسام الحسن كان خامة استثنائية، قادر على أكمال خط أشرف ريفي مع لمسة قد تشبه وسام الحسن لأن لكل شخص بصمة خاصة به”.
ويؤكد اللواء ريفي، أن “القصد من اغتيال وسام الحسن هو اغتيال الأمن السيادي في البلد، ومحاولة اغتيال المحكمة الدولية التي يعجزون عن النيل منها حتى لو اغتالوا وسام الحسن وأشرف ريفي، فهذه المحكمة باتت أمراً واقعاً وهي الآن بحماية المجتمع الدولي، واليوم تراهم حائرين بين ما إذا كانوا سيدفعون نفقاتها أو لا يدفعون، من المؤكد أنهم سيسددون ما يتوجب عليهم رغماً عنهم لأن المجتمع الدولي وضع مسألة النفقات المتوجبة على لبنان تحت الفصل السابع، لذلك عليهم أن يكفوا عن التذاكي و”تربيح الجميل من كيسنا”، رغماً عنهم سيمولون المحكمة، وإذا لم يدفعوا الآن سيدفعون لاحقاً، هذا دين على الدولة اللبنانية لن تُعفى منه مهما كلف الأمر، المجتمع الدولي قادر على تأمين التمويل البديل مؤقتاً لكن هذا الدين سيبقى متوجباً على لبنان وسيسدده”. ويتابع: “كفاهم مماطلة و”تربيحنا الجميل” نحن ننشد العدالة، ومع المجرم الكبير لم يكن هناك سوى العدالة الدولية القادرة على محاكمته التي ستحاكم مجرماً ما زال يعتقد أنه قادر على الإمعان في ارتكاب جرائمه والإفلات من العقاب والتخلص من ثمن جريمته، لكنه بالتأكيد لن يتخلص من هذه الجريمة.. فحكمة الله عز وجل قضت أن تكون عدالته على الأرض وفي السماء أيضاً، لتعيش الناس بوئام مع بعضها البعض. كما أن دم الشهيد البريء سيبقى يلاحق القاتل الى يوم الدين ولدينا في ذلك تجارب كثيرة جداً”.
ورداً على سؤال عن مآل التحقيقات في قضية الاغتيال، يجيب اللواء ريفي: “لا يحق لنا أن نتحدث عن التحقيقات التي تجري بسرية تامة، لكن في المحصلة أنا مرتاح جداً، وما يطمئنني أننا تركنا جهازاً (شعبة المعلومات) محترفاً وملتزماً ولديه قضية وقدرات هائلة جداً، ومهما كان المجرم محترفاً ومهما أخفى جريمته لن يخفيها مئة في المئة، فلا توجد جريمة كاملة، وبرأيي سنصل الى كشف المجرمين، وأنا أطمئن كل اللبنانيين، أننا سنصل حكماً الى القتلة”. ويشدد على أن “من اغتال رفيق الحريري هو الذي اغتال وسام الحسن، البصمات تشبه بعضها الى حد كبير”. وعمّا إذا توفرت معلومات للتحقيق، يقول: “هناك معلومات مخابراتية، غير أن المحكمة لا تحاكم على تقارير مخابراتية، إنما تُحاكم وفق أدلة، وبرأيي هناك أوجه شبه كبيرة بين هذه الجريمة وجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، صحيح أن كمية المتفجرات ليست متساوية إنما في الشكل الجريمتان متشابهتان”.
ويشير ريفي الى أن “كل الاغتيالات التي استهدفت شعبة المعلومات، سببها المحكمة الدولية، وسام عيد استشهد بسبب دوره في المحكمة الدولية، محاولة اغتيال العقيد سمير شحادة كانت بسبب المحكمة الدولية، والجزء الأساسي من اغتيال وسام الحسن كان بسبب المحكمة الدولية، هناك ثلاثة أسباب لاغتيال وسام الحسن، أولها دوره في المحكمة الدولية، وثانيها ملف سماحة المملوك، وثالثها أنه وريث أشرف ريفي على رأس مؤسسة قوى الأمن الداخلي. هذه هي الأسباب التي اغتالت وسام الحسن”.
لا ينكر اللواء ريفي، أن “محاولات تطويع قوى الأمن وإخضاعها من الأسباب التي قادت الى جريمة 19 تشرين الأول 2012″، ويقول ريفي: “صحيح أننا من الأساس كنا جهازاً أمنياً سيادياً في لبنان، والى حد كبير كنا متفلتين من قبضة سوريا و”حزب الله”، منعنا أن يكون لأحد دخول أو تأثير علينا وعلى عملنا ودورنا، كنا ننفذ عملياتنا بشكل سري ومن دون أن يعرف بها أحد، ركبنا صيغة تتطابق والترتيبات الأمنية الصحيحة والفاعلة، وكانت لدينا مناعة عالية جداً، في المقابل ووجهنا بكل أسف باغتيال وسام الحسن وإخراج أشرف ريفي من قوى الأمن الداخلي.. وأنا عندما سئلت ذات مرة من النائب الدكتور أحمد فتفت “هل يجددون لك؟” كان جوابي أن من اغتال وسام الحسن لن يجدد لأشرف ريفي، لذلك في الأول من شهر نيسان سلمت الأمانة وغادرت”. ويختم: “رغم الاغتيال وبشاعة الجريمة إلا أن دماء وسام الحسن لن تذهب هدراً، ودماؤه ستبقى حافزاً لرفاقه ولجهازه الذي أسس وتعب عليه، لإكمال طريقه في بناء أمن حقيقي للبنان، ولكشف القتلة والاقتصاص منهم مهما كانت سطوتهم ومهما بلغ إجرامهم”.