#adsense

هل يتحوّل المعتدلون إلى ممانعين والممانعون إلى معتدلين؟

حجم الخط

 

هل نحن محكومون بأن يتحول الممانعون إلى “معتدلين” والمعتدلون إلى “ممانعين جدد” في هذه المنطقة من العالم، وفي هذه اللحظة من التحوّلات، التالية مباشرة للاتفاق الأميركي- الروسي على تفكيك الترسانة الكيماوية السورية، والأميركي – الإيراني الذي يستعجل كثيرون تسميته “التقارب”؟

ثمّة بلا شك في ظاهر المشهد ما قد يوحي بذلك. فالنظام البعثي شبه مذهول بأن الضربة العسكرية لم توجّه له، واستعيض عنها بتفكيك الكيماوي. بعض الذهول يرجع إلى أنه اكتشف “سمة بعثية” في النظام العالمي ككل: فنحن أمام مجتمع دولي انتهى به المقام إلى الإشادة بجزار كيماوي كونه يتعاون من بعد الجريمة، وبسبب وطأتها، على بداية تفكيك منظومته الكيماوية. لكن، بموجب الذهول نفسه هذا النظام يضرب عرض الحائط بكل رطانة أيديولوجية قومجية وممانعاتية. ليس فقط من باب تبنيه المقولات الأكثر فجاجة في استنساخها عن عتاة المحافظين الجدد حول “مكافحة الإرهاب”، بل أيضاً، لجهة تباهيه بأنّه نجح في إيجاد وظيفة جديدة له: تفكيك سلاحه الكيماوي بعد أن استخدمه ضد أطفال الغوطتين، طالباً فترة زمنية تتيح هذا التفكيك.

بهذا المعنى، لحظة انتظار الضربة وما تلاها من تبديد لها، ثم النقلة إلى مرحلة تفكيك الكيماوي، لم يبق للممانعة معلماً تتعرّف فيه على عناصر مكابرتها السابقة. مع ذلك، فهي لا ترتدع: كونها تدمن تسمية أي شيء كان بأنه انتصار. قتل أطفال الغوطتين انتصار. تفكيك السلاح الكيماوي انتصار.

في المقابل، معسكر المعتدلين أمام امتحان ذهني وسياسي كبير. صحيح أن التخوين الممانعاتي بحقّهم لا قيمة له، سواء لأن التفكير المعتدل في العلاقات الدولية له حيثيته وأسانيده الخاصة، أو لأن التفكير الممانع المزعوم هو آخر من يحق له تخوين الغير. لكن الأهم من ذلك، أن المعتدلين، سواء على صعيد الحكومات، أم التيارات، أمام صعوبة، وضرورة الجمع، بين خطاب عقلاني لا يأخذ بنظرية المؤامرة عند مقاربة التبدلات الإقليمية والدولية، ولا يترك المجال سائباً للانفعالية، وبين أقصى التبني للعنصر الأساسي في سردية الثورة السورية، أي إنها ثورة ضد نوع دموي من الطغيان لا رجاء له أساساً في أن يعود طاقمه إلى ممارسة استبداده سلماً من جديد، وأنها ثورة ضد نظام فئوي وعائلي، يحاكي الآليات الكولونيالية في أساليب تعامله مع النسيج الأكثري من المجتمع السوري.

باختصار، قد يتحول “الممانعون” في لحظة تفكيك الكيماوي السوري إلى “معتدلي” الضرورة، تجاه الغرب، مع استشراسهم كسفاحين في بلدانهم. في المقابل، على المعتدلين أساساً، وهم يكتشفون أن ما يواجهونه في سوريا هو وقائع محاكاة النظام البعثي للآليات الكولونيالية في عملية قمعه الشعب السوري، أن يتمسكوا في الوقت نفسه بأساسيات الواقعية السياسية: السعي دائماً إلى إظهار الخصم على حقيقته، كعدوّ للسلم الأهلي والسلام الإقليمي وكخطر على الأمن العالمي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل