الافتراض الأول: هو أن مسيحيي الشرق يواجهون تحديات تتعلق بوجودهم وبدورهم وتالياً بمستقبلهم، الافتراض الثاني: أنهم في وضع يحتاجون معه الى من يدافع عنهم، الافتراض الثالث: أن للبنان دوراً في الدفاع عنهم، الافتراض الرابع: أن لبنان قادر على أداء هذا الدور، الافتراض الخامس: أن للبنان مصلحة في أداء هذا الدور.
انطلاقاً من هذه الافتراضات لا بد من الإجابة على ثلاثة أسئلة:
السؤال الأول: لماذا يواجه المسيحيون العرب هذه التحديات الوجودية قبل الربيع العربي ومن خلاله؟
السؤال الثاني: هل أن مسيحيين لبنان بمنأى عن هذه التحديات؟ والى متى؟
أما السؤال الثالث فهو هل أن لبنان مؤهل في وضعه الراهن لأداء الدور المطلوب منه؟ وكيف؟.
لنبدأ بمحاولة الإجابة عن السؤال الأول: لماذا يواجه مسيحيو الشرق التحديات؟. وكيف يتصرفون ازاءها؟.
لا بد أولاً من الإقرار بأن مسيحيي ومسلمي الشرق يواجهون معاً العديد من التحديات المشتركة في ضوء العواصف التي تضرب عالمنا العربي وتدفعهم الى الهجرة. ولعل آخر تجلياتها المأسوية حادث غرق مركب المهاجرين من عكار بين أندونيسيا وأستراليا. تعكس هذه التحديات المشتركة الأرقام التالية:
الرقم الأول هو أن عدد الأميين العرب يبلغ 120 مليوناً.
الرقم الثاني هو أن المواطن الأميركي يقرأ في المعدل الوسطي 11 كتاباً في العام.
ويقرأ الأوروبي 7 كتب. ويقرأ العربي ربع صفحة، حسب دراسة أعدتها منظمة اليونيسكو. وأوسع الكتب انتشاراً هي الكتب غير الجدية. إن آخر ما تدفق الى رفوف المكتبة العربية كتاب “للعلامة” ابراهيم بن عبد العزيز اليحيى، وقدم له الشيخ الدكتور عبد العزيز بن عبدالله الراجحي.. أما مضمون الكتاب فيعرف من عنوانه. وعنوانه هو: “ما يجوز وما لا يجوز في نكاح العجوز”.
أما الرقم الثالث فهو أن حجم الإنفاق في العالم العربي على البحث العلمي يبلغ 1,7 مليار دولار في العام. وبالمقارنة فإن حجم الإنفاق العربي على مستحضرات التجميل وحدها يبلغ 2 ملياري دولار في العام. أما ما ينفقه العالم العربي على عاملات المنازل فيبلغ 35 مليار دولار في السنة.
لن أتوقف أمام مظاهر الاستبداد السياسي والتطرف الديني والعلاقة الجدلية بينهما وانعكاسات هذه المظاهر على الواقع المأسوي وعلى صناعة المستقبل. إلا أن ذلك كله، مع نماذج الأرقام التي أشرت الى قليل منها، يعكس جوهر التحديات التي يواجهها العالم العربي والتي تسد أبواب الغد الأفضل في وجه شبابه فيلجأون الى الهجرة. هجرة المسلمين والمسيحيين معاً. والهجرة هنا تشمل أساساً النخب المتعلمة أو المهنية المحترفة بحثاً عن مستقبل أفضل، كما تشمل حتى الباحثين عن لقمة عيش كريمة.
ولكن هناك هجرة مسيحية لأسباب دينية وليس لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو حتى سياسية. سبب هذه الهجرة المسيحية هو موجات التطرف الإسلامي الرافضة للآخر المختلف. بل اللاغية له. وهنا بيت القصيد.
لقد شاهدنا ذلك أولاً في العراق حيث انخفض عدد المسيحيين من حوالى المليونين الى أقل من نصف مليون. علماً بأن مسيحيي العراق لم يطلبوا الاجتياح الأميركي، ولم يحتموا به عندما جثم فوق أرضهم، كما أنهم لم يطرحوا أنفسهم جزءاً من لعبة الصراع على السلطة بعد الانسحاب الأميركي.
وشاهدنا ذلك ثانياً في مصر، حيث أصبح المسيحيون فشة خلق في كنائسهم ورهبانهم للصراع بين الإخوان المسلمين ومعارضيهم. وشاهدناه في فلسطين حيث أدت أسلمة قضية القدس والقضية الفلسطينية الى عزلهم واستبعادهم. وشاهدناه في سوريا حيث وقعوا بين فكي كماشة النظام والثورة. إن كل هذه الأسباب منفردة ومجتمعة دفعت وتدفع المسيحيين العرب الى المزيد من الهجرة. كما أنها دفعت وتدفع المسيحيين اللبنانيين الى المزيد من القلق.
إن لهذا القلق وهذه الهجرة معانٍ ونتائج خطيرة للغاية، منها:
1 تفكيك النسيج الوطني للمجتمعات العربية وانتزاع مكوناتها المتعددة الواحد بعد الآخر بحيث تفقد هويتها القومية.
2 خسارة ثروة بشرية من العلماء والمفكرين والحرفيين بما يرفع من نسبة الأمية في المجتمعات العربية.
3 الإيحاء للعالم بأن الإسلام لا يقبل الآخر. وأن هجرة المسيجيين دليل حسي وواقعي يترجم رفض المسلمين العيش الوطني مع غير المسلمين. ويترتب على ذلك أمور ثلاثة:
الأمر الأول: تفريغ الوطن العربي من مسيحييه. وهو أمر يعيد صياغة قضية الشرق الأوسط من صراع وطني حقوقي ضد محتلين إسرائيليين استقدموا من أطراف الأرض الى صراع ديني إسلامي يهودي، ليست المسيحية طرفاً فيه.
إن خروج أو إخراج مسيحيي الشرق من هذا الصراع، أولاً من خلال تعطيل الدور أو مصادرته، ومن ثم من خلال الهجرة، لن يترك للوطن العربي صديقاً متعاطفاً في العالم. فمن خلال الهجرة المسيحية يتعطل أيضاً دور المسيحيين العرب مع العالم غير الإسلامي، ما يوفر لإسرائيل الفرصة لاستفراد المسلمين العرب بمزيد من استعداء العالم عليهم.
الأمر الثاني: تعرض المسلمين المهاجرين الى مجتمعات غربية في أوروبا وأميركا وكندا وأستراليا وسواها الى المعاملة بالمثل. ذلك أن من ينتهك حقوق المواطنة وحقوق الإنسان، لا يحق له المطالبة بأن تُحترم حقوقه الوطنية والإنسانية (3/1 المسلمين البالغ عددهم مليار و600 مليون يعيشون في دول ومجتمعات غير إسلامية).
الأمر الثالث: فتح الأبواب أمام مشاريع إعادة رسم خريطة المنطقة على أساس التقسيمات الدينية والمذهبية والعنصرية التي طرحتها إسرائيل منذ مطلع الخمسينات من القرن الماضي (الرسائل المتبادلة بين دافيد بن غوريون رئيس حكومة إسرائيل وموشي شاريت وزير خارجيتها). ولقد وضع فلسفة هذا المشروع ورسم خارطته العامة المستشرق اليهودي الأميركي برنارد لويس في عام 1978، في دراسة مفصلة نُشرت في “أميركان استراتيجيك سيرفي” الصادرة عن وزارة الدفاع الأميركية. ثم تبنتها إسرائيل تحت عنوان استراتيجية إسرائيل في الثمانينات. وعلى أساسها كان اجتياح لبنان في عام 1982. ومن نتائجها كان تقسيم السودان.. حتى الآن!!.
منذ أكثر من عشر سنوات رفعت الشعار التحذيري في مقابلة مطولة مع تلفزيون الجزيرة. وهو “تقسيم المقسّم وتجزئة المجزء”. يومها اتهمت بالمبالغة في التخويف. ولكن انظروا ماذا يجري الآن جنباً الى جنب مع الهجرة المسيحية الاستنزافية وتداعياتها، أي خطر يهدد وحدة سوريا؟ وأين أصبحت وحدة العراق؟ وماذا حل بليبيا؟ وماذا ينتظر تونس؟ بل انظروا كيف تقسمت البقية الباقية من فلسطين بين غزة والضفة الغربية وهما لا يزالان تحت الاحتلال وهيمنة العدو. حتى مصر بدأ الحديث فيها عن الفتنة التقسيمية يحتل ولأول مرة في تاريخها المعاصر صدارة الخطاب السياسي العام.
قد يقول قائل: هل أن كل هذه القضايا المصيرية متوقفة على المسيحيين العرب؟.
الجواب بسيط. عندما يسقط حجر الدومينو يتوالى سقوط بقية الحجارة. إن المسيحيين العرب هم عضو أصيل من أعضاء الجسم العربي. فإذا أصيب هذا العضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. لا يمكن أن يكون هناك عالم عربي من دون المسيحيين العرب. ولا يمكن أن يكون هناك حضارة عربية من دون المشاركة المسيحية في صناعتها. بل لا يمكن المحافظة على الهوية العربية من دون مكونها المسيحي.
إذا كان الأمر كذلك، فماذا يستطيع لبنان أن يفعل وهو الوطن الصغير المحكوم بإرادات خارجية متناقضة ومتصارعة؟.
الجواب على هذا السؤال بسيط. وهو أن لبنان يستطيع أن يؤدي دوراً أساسياً في صناعة المستقبل العربي بشرط واحد. وهو أن يكون نفسه. أي أن يكون لبنان لبناناً.
ماذا أعني بذلك؟
هناك هوة تتسع باستمرار بين واقع العيش المشترك وصيغة العيش المشترك. الصيغة نموذجية. وهي في مستوى الرسالة، كما وصفها البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، ولكن الواقع أبعد ما يكون عن المثالية، وتالياً هو أبعد ما يكون عن الرسالة. إنه ملوث بوحول الانقسامات التي تفرضها ولاءات للخارج ومصالح في الداخل.
حتى يكون لبنان نفسه، يُفترض أن لا يتحول الى محطة انتظار لمسيحيي الشرق تمهيداً لانطلاق قطار تهجيرهم الى دول العالم المختلفة؛ بل يُفترض أن يكون لبنان حافزاً لتجذر المسيحيين العرب في أوطانهم، وقدوة لهم وللمسلمين العرب للعيش المشترك على قاعدة احترام الاختلافات والتعدديات الدينية والمذهبية والثقافية. إن تثبيت المسيحيين العرب في أرضهم وصون حريتهم واحترام كرامتهم ليس منّة تقدّم لهم، بل إنه حق من حقوق المواطنة. وهو أكثر من ذلك، إنه حاجة أساسية من حاجات الدفاع عن صورة الإسلام أمام نفسه وأمام العالم، والتصدي لمحاولات التشويه التي تتعرض لها هذه الصورة.
وحتى يكون لبنان في مستوى هذا الدور، يُفترض أن يرتفع السلوك السياسي العام فيه الى مستوى متطلبات صيغة العيش الوطني وأخلاقياتها. وما لم يحدث ذلك لن تجد أي دولة من الدول العربية التي تعصف بها رياح التغير شمعة تستضيء بها في عتمة العاصفة.
إثنان يحتاجان اليوم الى الصيغة اللبنانية. الدول العربية، ولبنان. فالدفاع عن مسيحيي الشرق هو في جوهره دفاع عن لبنان.. وهو دفاع عن العروبة، ودفاع عن الإسلام.