ينطبق ذلك على كل قضية لبنانية أو حتى اقليمية أو دولية. ولم تختلف الحال بالنسبة الى تشكيل الحكومة الجديدة، اذ لم يغب عنه على امتداد سبعة شهور حتى الآن بالرغم من اتفاق الجميع على حاجة لبنان الى هذه الحكومة خصوصاً في ظل التحديات الكبرى، السياسية والأمنية والاقتصادية ـ الاجتماعية والمالية، التي يواجهها اللبنانيون في الفترة الحالية.
في البدء، كانت التهمة أن المملكة العربية السعودية هي التي تعرقل مهمة الرئيس المكلف تمام سلام، ومن ثم رئيس الجمهورية ميشال سليمان شريكه فيها، من ضمن مراهنات الرياض (وطبعاً قوى 14 آذار، كما هي العادة) على ما يمكن أن تتطور اليه الأمور في سوريا لجهة سقوط النظام أو بدء تفكك الحلقة الضيقة التي ما تزال تحيط به. ومن وقت الى آخر، وغالباً عند اللزوم، كانت حلقة الاتهام هذه تتوسع لتصل الى واشنطن، والى سفيرها السابق في لبنان جيفري فيلتمان تحديداً، لكي يمكن القول على طريقة قوى 8 آذار وقائدها “حزب الله”، ان من يتآمر على لبنان ويمنع تشكيل الحكومة فيه هو الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة… وفي مقدمهم اسرائيل.
ليس ذلك فحسب، بل ان هذه القوى لم تجد في قرار السفير السعودي علي عواض عسيرى أخذ اجازة والسفر الى بلاده خلال شهر رمضان المبارك، سوى أنه أقفل الأبواب أمام تشكيل الحكومة وترك لبنان يتخبط في مشكلاته الضاغطة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، لا لشيء الا لخدمة خطط السعودية الاقليمية … وضد سوريا وايران في المقام الأول.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فعندما اقترحت قوى 14 آذار على الرئيس المكلف تشكيل حكومة تكنوقراط حيادية لمعالجة مشكلات اللبنانيين الحياتية، ولا تشترك هي فيها كما لا تشترك قوى 8 آذار بدورها، فان التهمة كانت جاهزة كذلك: التآمر على “المقاومة والممانعة” تبعية من قوى 14 آذار للغرب الاستعماري… وهو هنا الاتحاد الأوروبي الذي كان قد قرر في تلك الفترة (بتحريض من اسرائيل والولايات المتحدة كما هي عادة قوى 8 آذار في توزيع الاتهامات) ادراج الجناح العسكري لـ “حزب الله” ضمن قائمة المنظمات الارهابية.
وطبعاً، تناسى الحزب وحلفاؤه كل ما قيل في هذا السياق عندما هلل لواقعة قيام أحد نوابه بزيارة العاصمة الفرنسية باريس في المدة الأخيرة، واجراء ما وصفه هو بأنه “حوار جدي” حول العلاقات المستقبلية بين الطرفين. فالهدف الدائم، لدى الحزب، هو كيل الاتهامات لقوى 14 آذار وتشويه سمعتها الى حد محاولة الغائها واعتبارها مجرد تابع للغرب حتى في مسألة محلية مثل مسألة تشكيل الحكومة. لماذا؟، لأن الحزب لا يملك ما يرد به على طروح هذه القوى واقتراحاتها لانقاذ لبنان، فيلجأ الى اتهامها بعظائم الأمور… حتى في الوقت الذي يكون هو نفسه في موقع من يمكن أن يسري عليه مثل هذا الاتهام.
كذلك كانت الحال في كل ما تردد في السجال بشأن مقولة “الجيش والشعب والمقاومة”، وزميلتها المتعلقة بـ “الثلث المعطل”، وثالثتها الخاصة بـ “ميثاقية” الحكومة أو عدم ميثاقيتها، ودائماً بالمظلومية التي لم ينسها الحزب يوماً عن “الفيتو” الأميركي ـ الاسرائيلي ـ الخليجي على مشاركته وحلفائه في قوى 8 آذار في الحياة السياسية اللبنانية.
في هذه المجالات كلها، كانت الاتهامات تكال يميناً وشمالاً ضد قوى 14 آذار (وطبعاً السعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) بدعوى منع تشكيل الحكومة الجديدة من جهة ومنع حكومة تصريف الأعمال من القيام بمهامها من جهة ثانية.
هذا في حين أن حقيقة المواقف والوقائع على الأرض تفيد بالعكس تماماً:
فلم يقل أي من أطراف قوى 14 آذار انه يضع “فيتو” على مشاركة “حزب الله” في الحكومة. كل ما قالته هذه الأطراف انها ترفض الاشتراك في حكومة واحدة مع الحزب بينما تقاتل قواته الى جانب النظام في سوريا وضد شعبها. وفي هذا ما يعني أن على الحزب اما سحب قواته من سوريا، أو العمل على تشكيل حكومته الخاصة كما فعل في العام 2011 بالتوافق بينه وبين النظامين السوري والايراني والرئيس نجيب ميقاتي.
ولم يقل أحد منها انه ضد اعطاء قوى 8 آذار “الثلث المعطل” (أين أصبح تخلي حليف الحزب الرئيس نبيه بري عنه؟!) لأنه يريد مثلاًَ أن تأخذ أطراف قوى 14 آذار نظيراً له، لكي يتم الآن طرح صيغة 9×9×6 التي يدافع عنها الحزب ويقول انه مستعد للسير فيها.
كما لم يتحدث أحد منها عن “لاميثاقية” حكومة ميقاتي مثلاً بالرغم من أنها شكلت من دون قوى 14 آذار، ومن دون “تيار المستقبل” تحديداً، لكي يقال الآن ان حكومة من دون “حزب الله” وحركة “أمل” هي حكومة غير ميثاقية فضلاً عن أنها تتناقض مع دستور البلاد وموجبات الوحدة الوطنية.
والأهم من ذلك كله، أن أحداً من قوى 14 آذار لم يقل يوماً، كما يردد كل من نائب الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم ورئيس كتلته النيابية محمد رعد، أن على من يفكر في تشكيل حكومة من دون مشاركتها “أن ينتظر طويلاً… وطويلاً جداً”.
في علم السياسة، كما في تقاليدها، ما يسمى بتكتيك “الهروب الى الأمام” عندما يشعر طرف من الأطراف ببدء تضييق الخناق عليه.
لكن أي تكتيك هذا الذي لا يجد في جعبته سوى كيل الاتهامات للآخرين، والادعاء في الوقت نفسه أنه ضحية مؤامرة… بل و”حرب كونية” على طريقة النظام السوري؟.