إعتذار السعودية عن شغل مقعدها في مجلس الامن لا يشكل سابقة في تاريخ الامم المتحدة فحسب، بل يشكل تعبيراً صريحاً وشجاعاً عن تاريخ من الخيبة الدولية وعن تراكم مزمن من المرارات، التي طالما عانت منها دول ومجموعات دولية كبيرة كانت ولا تزال تنتقد ارتهان المجلس وعجزه عن القيام بالواجبات التي انشئ من اجلها، ما ادى بالفعل الى “استمرار اضطراب الامن والسلم، واتساع رقعة مظالم الشعوب، واغتصاب الحقوق، وانتشار النزاعات والحروب في انحاء العالم”.
الاعتذار وما رافقه من شرح يشكلان في الواقع دعوة جادة الى اصلاح المجلس وتقويم عمله، من شأنها إحياء تاريخ طويل من الاستياء الدولي، إما من تقصير المجلس في معالجة ازمات وقضايا هددت السلم العالمي، وإما من انحياز “اباطرة الفيتو” واستخدامهم هذا الحق بطريقة بشعة وشنيعة تناقض دور المجلس والامم المتحدة حيال قضية فلسطين مثلاً، وإما من تعطيل الشرعية الدولية بسطوة الكبار كما حصل في فترة “الاستقطاب الثنائي”.
كان من المضحك تماماً ان يقف باراك اوباما في قمة العشرين قبل شهرين تقريباً، ليكرر انتقاد شلل مجلس الامن منذ بداية المذبحة المتمادية في سوريا، وخصوصاً انه ارتمى في احضان فلاديمير بوتين بعدما انتشله من فضيحة التلويح بحرب لا يريدها او ليس قادراً على شنها. قبله بستة عقود كانت “حركة عدم الانحياز” ايام جمال عبد الناصر واحمد سوكارنو وجوزف بروز تيتو وجواهر لال نهرو، تعترض على مصادرة اميركا الشرعية الدولية، وتصرخ داعية الى نقل الامم المتحدة الى خارج اميركا بعدما تمادت في استعمالها مظلة لرعاية مصالحها الفظة وتغطيتها بالقانون الدولي .
واذا كان ديفيد كاميرون انتقد تعطيل مجلس الامن في قمة العشرين بـ”الفيتو” الروسي – الصيني وهو ما أيده الفرنسيون، فان شكوى دول العالم الثالث من تعطيل المجلس واستغلال الامم المتحدة لأغراض تخدم مصالح الكبار وتشعل الحروب لم تتوقف يوماً، لهذا فانه أمام الاجماع الدولي التاريخي على ضرورة اصلاح هذا المجلس، يصبح قرار الاعتذار عن قبول عضويته تعبيراً يتجاوز الموقف السعودي الجريء لينوب عن رغبة طالما راودت دول كثيرة تعاني من تقصيره الفاضح او من تعطيله الفظ بـ”الفيتو” كما يحصل الآن رعاية للمذبحة السورية.
هل كان من المفيد ان تدخل السعودية حلبة المصفقين العاجزين عن وقف الصفاقة المتمادية للذين يعطلون الشرعية الدولية ويمسخون عمل الامم المتحدة ويمرغون مبادئها بالوحل والعار… ثم هل من حدود لوقاحة روسيا التي اعتبرت “ان حجج المملكة تثير الحيرة لأن المآخذ على مجلس الأمن في إطار الازمة السورية تبدو غريبة جداً”[!] ولكأن المطلوب التصفيق لرعاة هذه المذبحة التي تديرها موسكو بالانحياز الى القتل واميركا بالتغاضي عن القتلة!