تصح تهمة تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة على الحزب وحده

إصرار «حزب الله» وحلفائه على تجاهل نتائج الإنتخابات النيابية يبقي الأزمة السياسية تراوح مكانها
وقائع وظروف تأليف الحكومة المستقيلة بالترهيب تؤكّد فشل أسلوب الاستقواء بالسلاح
تصح تهمة تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة على الحزب وحده بكل الوقائع والمعايير

ما يزال «حزب الله» وعلى لسان أبرز قادته يرمي فريق 14 آذار بقيادة «تيار المستقبل» بتهم تعطيل الحكومة الجديدة وذلك لتبرير ما يقوم به الحزب سراً وعلانية لتعطيل عملية التشكيل عمداً، تارة من خلال الاصرار على المطالبة بصيغة الثلث المعطّل وتضمين البيان الوزاري للحكومة ثلاثية «الشعب والجيش والمقاومة» الساقطة بكل المعايير بعد انتهاء مفاعيل استعمالها وتغيير وجهتها بالكامل لخارج لبنان، وتارة أخرى من خلال طرح مطالب تعجيزية بتسمية الوزراء والحقائب مسبقاً وانتقاء ما يخدم مصالح الحزب الأمنية والاستراتيجية وأخيراً وليس آخراً ما قاله نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم بأن هذا الفريق، أي 14 آذار، «ينتظر أوامر مشغليه ليوافق على إطلاق عملية تشكيل الحكومة الجديدة».

لم يقتصر الأمر عند هذا الحد فقط، بل تزامن أيضاً مع أكثر من موقف كرره رئيس المجلس النيابي نبيه بري قائلاً «ربما البعض ينتظر تعليمات من الخارج ليسير بعملية التشكيل» داعياً هذا البعض ولو لم يسمّه بشكل مباشر إلى «عدم المراهنة على أي تطورات أو تغييرات في المنطقة» وهو بهذا الموقف يتلاقى مع حليفه «حزب الله» بالتمام والكمال وكأن ما يصدر عنهما بالتزامن متفق عليه مسبقاً، مشدداً على ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية في هذه المرحلة الحساسة.

كان يمكن لمثل هذه الاتهامات التي يطلقها «حزب الله» وحليفه بري أن تلقى صدى مقبولاً ولو بحدها الأدنى، لو صدرت مثلاً عن أطراف أو شخصيات سياسية معتدلة وحيادية وخارج عباءة وهيمنة الحزب الأمنية والسياسية والعسكرية، ولكن صدورها عن قياديين بارزين في الحزب يقلل مفعولها وتأثيرها الى حدود العدم ويجعل صداها يضيع هباء بلاء جدوى، مهما تعالت اصوات مطلقيها وفي اي مناسبة كانت، كون القاصي والداني يعرف حق المعرفة ان «حزب الله» هو الحزب الوحيد الذي يتحرك باوامر من خارج لبنان ويتمول ويتسلح من ايران ويحارب ضد الشعب السوري ويقتل ابناءه ويدمر مدنه وقراه استجابة لأوامر مرشد الثورة الاسلامية الايرانية كما اعلن هؤلاء القادة اكثر من مرة.

ولذلك، تصح تهمة تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة على الحزب وحده بكل الوقائع والمعايير، ولا تتطابق على اي طرف لبناني آخر يعادي الحزب كتحالف 14 آذار، وتلطي الحزب وراء هذه الاتهامات المزيفة، ليس الا محاولة بائسة ويائسة للتهرب من مسؤولية تعطيل الحكومة ومحاولة للالتفاف على النتائج السياسية لاستقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي وصلت الى السلطة بهيمنة وترهيب سلاح «حزب الله» منذ اكثر من سنتين وتعطيل كل مفاعيل تسمية الرئيس تمام سلام لتشكيل الحكومة الجديدة لانه يحرص على تشكيل حكومة تراعي مصلحة لبنان وليس مصلحة الحزب وحده.

ولعل ذاكرة اللبناني لم تنسَ أيا من الاطراف اللبنانية ينتظر اوامر الخارج لتوافق على تشكيل اي حكومة في الداخل وممن تتلقى التعليمات في هذا الخصوص، برغم كل الاتهامات الملفقة وضجيج المواقف المتتالية وصراخ الاصوات في مآتم قتلى الحزب بالاعتداءات المتواصلة على الشعب السوري.

ففي مثل هذه الايام قبل سنتين او بعدها بقليل ذهب موفد الحزب ورئيس حركة امل اكثر من مرة لملاقاة الرئيس السوري بشار الاسد، واعلنا بعدها امام وسائل الاعلام علانية بانهما تلقيا اوامر مباشرة من طهران ودمشق لاسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري تحت حجة وهمية مزيفة «شهود الزور» التي ماتت مع سقوط الحكومة المذكورة ولم يعد لها اي ذكر، بل كانت الواجهة التي استعملت لتحقيق هذا الهدف.

الآن يحاول «حزب الله» ورئيس المجلس النيابي نبيه بري التذاكي على اللبنانيين بإدعاء ان فريق 14 آذار يعطل الحكومة وإلى ما هنالك من حجج وذرائع لتبرير مواقفهما بالتعطيل ويطالبان بحكومة واحدة وطنية تآمرا معاً في السابق بايعاز من الخارج السوري والإيراني لاسقاطها في إطار المواجهة الإقليمية الحاصلة مع العرب والتي لا تزال مستعرة حتى الساعة، وفي الوقت نفسه يتجاهلان ان كل ما قاما به للاتيان بحكومة الرئيس نجيب ميقاتي من وسائل داعمة ومقوية واسترضاءات مزيفة لتدبيج وتسيير الحكومة لم تحقق الهدف المرجو منها، كون مثل هذه الوسائل والمحاولات المفروضة بقوة السلاح وبالترهيب والاغتيالات وباشعال الحرائق الاستنزافية كما يحصل في طرابلس منذ تشكيل الحكومة المستقيلة وحتى اليوم وغيرها من المناطق الأخرى لم يؤد الى اي نتيجة ويحقق الاستقرار السياسي والتطور الاقتصادي، بل أدت هذه الوسائل والاساليب الاستقوائية بالسلاح غير الشرعي الى نتائج عكسية وتدهور مريع في كل القطاعات والصعد من دون استثناء وتراجع مخيف في أداء وزارات الخدمات وتآمل مؤسسات الدولة وانحدار مخيف للوضع الاقتصادي، والأخطر في كل ذلك تكريس حاد بالانقسام بين اللبنانيين وعلاقات بعضهم ببعض. كل هذا الواقع ناتج عن الزج بالسلاح غير الشرعي لحزب الله وملحقاته المستولدة هنا وهناك، لقلب نتائج الانتخابات النيابية بالقوة ومنع الاكثرية النيابية الجديدة التي افرزتها لتحالف قوى 14 آذار بزعامة «تيار المستقبل» من تولي السلطة او حيازة الأكثرية فيها حسب نتائج الانتخابات التي جرت بمشاركة جميع الأطراف بلا استثناء وبوجد حكومة متفق عليها بالدوحة.

ولذلك، فكل تجاهل لهذا الواقع ولموازين القوى السياسية القائمة، إن كان بالاستقواء بسلاح الحزب أو بالسكوت ومماشاة الحزب كما يفعل برّي أو برفع مطلب هذا الطرف أو ذاك من خلال الايعاز لحليف الحزب ميشال عون للتمسك بوزارات معينة وبوزراء معروفين مثلاً، او الإصرار على حجم تمثيلي يفوق الواقع التمثيلي وما شابه، يعني وجود قرار لحزب الله بتعطيل التشكيل، ويعني كذلك الدوران حول المشكلة الأساس التي لن تنتهي إلا إذا تعامل الحزب وحليفه برّي مع الواقع التمثيلي الناتج عن الانتخابات، وهذا ما سيحصل في النهاية ولو تأخر بعض الوقت وزادت معاناة الشعب وخسائر الاقتصاد.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل