كتب حسن شلحة في صحيفة “اللواء:
أخذت الهواجس في الشارع السياسي والشعبي تتزايد مع تزايد الكلام عن معركة القلمون، وإمكانية حدوثها، وذلك لما لهذه المعركة (فيما لو وقعت) من آثار سلبية على الوضع في لبنان.
ومصدر هذه الهواجس كون منطقة القلمون السورية هي المقلب الآخر (الشرقي السوري) لسلسلة الجبال الشرقية التي تفصل البقاع اللبناني عن سوريا، وهي تمتد لأكثر من خمسين كيلو متراً وتقع فيها العديد من المدن والقرى أهمها الزبداني ويبرود ورنكوس وقارة والنبك، وهذا الشريط المسمى القلمون يمتد من الزبداني ولغاية القصير وحمص وهو يقع منذ سنتين تحت سيطرة الثورة السورية، كما يوجد فيه أهم مخازن السلاح والذخيرة للجيش السوري، مخبأة في أماكن سرية في هذه الجبال، وفي حال سيطر عليها الجيش السوري يكون قد أمّن طريق دمشق – حمص – الساحل السوري. فهذه المنطقة استراتيجية بالنسبة لحركة الجيش السوري، وهو يستهدفها الآن فقط بواسطة الأذرع الطويلة كالطيران والمدفعية وراجمات الصواريخ.
أما أهم تداعياتها على لبنان فهي مع فرضية أن حزب الله سيشارك فيها:
– أن المعارك (في حال حدوثها) ستكون على مسافات قريبة من العديد من القرى والمدن اللبنانية البقاعية وخصوصاً في قضاء بعلبك.
– أن القرى والمدن البقاعية ستكون عرضة للقصف في حال شارك حزب الله في هذه المعارك، وجميع المعطيات تشير إلى أن الحزب سيشارك فيها، فهو يشارك الآن في عمق سوريا من حلب إلى حمص إلى دمشق، ولذلك مشاركته في هذه المعارك التي تقع على تخوم قرى أغلبها يشكل حاضنة للحزب.
– أن هذه المعارك ستزيد من حال الهجرة إلى لبنان، سواء على المعابر الرسمية أم المعابر غير الشرعية المنتشرة في هذه المنطقة الجبلية والتي تقدر مصادر بقاعية تعدادها بالمئات لن يستطيع لا الجيش اللبناني ولا حزب الله ضبطها.
– في حال شارك حزب الله في معركة القلمون فمن المتوقع (وفقاً للخبراء) أن تكون خسائره البشرية كبيرة وتفوق خسائره في القصير.
– ترجح مصادر سياسية أن النظام السوري الذي عجز رغم الدعم الذي يقدمه له حزب الله والحرس الثوري الإيراني والميليشيات العراقية من أن يحسم معركة ريف دمشق، لذلك ترجح هذه المصادر أن يقدم الجيش السوري وحلفاؤه على فتح معركة القلمون على أمل أن يحقق فيها بعض الانتصارات، وذلك بهدف قطع طرق التواصل والامداد عن ريف دمشق، وتضيف المصادر عادة ما تكون السيطرة على القرى والمدن المعزولة أسهل على الجيش الذي لم يستطع أن يحقق مكاسب وتقدم في المدن إلا عبر «الأرض المحروقة» أي التدمير الكامل. وللتذكير ريف دمشق هي مدن كاملة وليس قرى ريفية.
كما أن النظام في معركة القلمون سيعتمد على القصف من الجو وعلى قدراته القصف عن بُعد، وعلى ما يمكن أن يقدم حزب الله من مشاركة فعالة كون القلمون كله مفتوح على البقاع الشمالي الذي يشكل خطوط إمداد مفتوحة للحزب باستثناء منطقة عرسال.
– تخشى الأوساط السياسية من تداعيات معركة القلمون فيما لو استهدفت بلدة عرسال أثناء المعركة، فاستهداف عرسال يعني دفع لبنان إلى تطور أمني جديد لا يرضاه أحد، وسلبياته من الممكن أن تشمل كل لبنان وليس عرسال فقط. هذا مع العلم أن فاعليات عرسال رغم تأييدها العلني للثورة السورية إلا أنها أكدت مراراً فصل هذا التأييد عن علاقتها بجوارها من القرى التي تشكل بيئة حاضنة لحزب الله، فهذه الفاعليات ترفض إقحام البلدة بتفاصيل الأحداث السورية وتسعى إلى نهج أفضل العلاقات مع القرى المجاورة.
يرى مصدر سياسي أن غرفة العمليات المشتركة للنظام السوري وحلفائه ترى أنه من الأهمية تحسين موقع النظام قبل الذهاب إلى مؤتمر جنيف2 في الشهر القادم، فوقتها من الممكن للنظام أن يحسن شروط تفاوضه وموقعه على طاولة المفاوضات.
ويضيف المصدر: صحيح أن الأطراف الإقليميين والدوليين المشاركين في جنيف يدركون أن كلا الطرفين (النظام والمعارضة) لا يستطيع أن يحسم المعركة في سوريا عسكرياً، وأن الولايات المتحدة الأميركية تتعمد أن يكون دعمها للمعارضة سياسياً فقط وتحجب عنها المساعدات العسكرية، بهدف استنزاف الطرفين قبل الجلوس على طاولة المفاوضات، وأن الأطراف الدوليين (أميركا – روسيا – أوروبا) باتوا على قناعة بضرورة الاسراع بالحل السياسي، وبعدم السماح بانهيار الجيش السوري وفرطه، وذلك خشية من أن يكون البديل هو الجماعات الاسلامية المتطرفة، إلا أن الجميع بات على قناعة بأن النظام المستمر منذ أربعين عاماً بات من الماضي ولن يعود ليحكم بذات الأدوات، وهم أيضاً على قناعة بأن الأسد وجماعته (من سنّة وعلويين ومسيحيين) انتهى دورهم، وأن الحل السياسي يشكل عملية إخراج لائق لطي صفحة النظام السابق ومن ثم بلورة معالم نظام جديد في سوريا يشارك فيه جميع أبنائها، وأن ما يقدم من دعم عسكري سواء من حزب الله أو غيره ليس من أجل بقاء هذا النظام وإنما لمنع انهياره وسقوطه بالضربة القاضية.
فالرئيس ميشال سليمان المتمسك بإعلان بعبدا، والذي أكده أمس بقوله «ليس لأحد أن ينتقد سياسة لبنان بالنأي بالنفس، وأن سياسة لبنان لا يقررها إلا الشعب اللبناني»، جاء رداً على كلام الرئيس الأسد الذي شكك واستهزأ بسياسة النأي بالنفس، فالأسد يريد مزيداً من الدعم من الشعب اللبناني ومزيداً من تضحيات اللبنانيين لإطالة عمر نظامه بعض الأشهر، وجاء بمثابة تحذير من تداعيات انخراط اللبنانيين في الأحداث السورية وآثارها السلبية على لبنان واللبنانيين، والقول بسياسة النأي بالنفس ليس جريمة، كما أن هذا التوجه تقرر في هيئة الحوار الوطني، وبقرار من حكومة ميقاتي التي يشارك فيها حزب الله وحلفاؤه فقط. كما أن الرئيس سليمان كغيره يخشى من تداعيات أكبر على لبنان فيما لو حدثت معركة القلمون وشارك فيها حزب الله.