بعد تهنئة مخطوفي اعزاز بسلامة العودة الى ذويهم، لا يزال هناك الآخرون: المطرانان بولس يازجي ويوحنا ابرهيم، السجينات السوريات اللائي كان يفترض اطلاقهن، مئات آلاف الاسرى والمفقودين السوريين الرهائن عند نظام الاسد، مئات اللبنانيين الذين خطفوا منذ ما يقرب من عقدين ونيّف ولم يوفّر النظام حتى الى أقرب حلفائه أي معلومة عنهم…
جميع هؤلاء لم يسأل جمهور “حزب الله” عنهم، فيما توزعت التمنيات والتساؤلات عنهم بحسب الانتماء الطائفي أو السياسي، مع استثناءات قليلة. وهذا بعضٌ من أعراض مرض لبناني لا ينفك يستفحل. كأن هذا المجتمع نسي أنه عرف هذه المرارات ومرّ بهذه المحن، فإذا بقلبه قد قسا ولم يتعلّم شيئاً.
من أين للحقد الأسود ان يصنع سياسة عاقلة أو حتى وطنية. انه ينتج مشاريع تخريب فحسب. سمعنا في غمرة التهاني المتبادلة من يتمنى أن تساهم الفرحة في اشاعة مناخ مؤاتٍ لاستيلاد الحكومة المرتقبة منذ ستة شهور. قد تكون أماني مخلصة، لكن لاحظوا الى أين وصلنا: أن نتوقع الحكومة منّة أو “عيدية” يغدق بها الحزب الحاكم بأمره على الشعب المسكين الذي أحسن صنعاً بابتهاجه بعودة المخطوفين، في الوقت الذي كان النصف الآخر من البلد يتذكّر اللواء وسام الحسن ومعه جميع الذين اغتيلوا ليتمكّن الحزب الحاكم بأمره من العبث بالشركة الوطنية وافسادها من دون أن يزعجه أحد.
تراجع كثيراً الحديث عن “الحوار الوطني”. أصبح مستحيلاً حتى على البديهيات. بالمناسبة هل يرغب الحزب اياه في الحوار قبل معركة القلمون أو بعدها؟ قالوا ان معركة القصير كانت ضرورة من أجل السكان في قرى لبنانية، ثم غدت ضرورية لحماية “ظهر المقاومة”، وكانت فعلياً لتحصين وضع قوات النظام في دمشق ومحيطها، ولم يتحصّن. وماذا عن القتال في حمص والمشاركة في حصارها، والآن ماذا عن معركة القلمون وما سيتبعها؟ كلّه من أجل المقاومة، اذ لم تعد حمايتها ممكنة إلا بقتل الشعب السوري وتدمير مدنه والمشاركة في تهجير أبنائه.
دعكم من الحوار المستحيل، من الحكومة المستعصية، من المجلس النيابي المصادر والمشلول، ماذا عن لبنان في “جنيف – 2″، وأي موقف يتخذ؟ الأفضل عدم المشاركة اذا كان “النأي بالنفس” لا يزال سياسة الحكم. مجرد فكرة أن يتمثل لبنان بوزير الخارجية تثير الغثيان. اصبح معروفاً انه يأخذ التوجيهات من الحزب الحاكم بأمره وليس من مرجعياته الدستورية.
سيكون المؤتمر تمريناً آخر على الديبلوماسية الفئوية، وفرصة لإثبات الموقع الذي حدّده النظامان السوري والايراني للبنان.
