السعودية وتحدي الاستهلاك الداخلي من النفط

انخفض سعر برميل النفط في الولايات المتحدة للمرة الاولى منذ تموز (يوليو) الماضي الى اقل من مئة دولار بعد الاتفاق بين الكونغرس الاميركي والرئيس اوباما وانهاء حالة الاغلاق الحكومية واثر تأكد الاسواق من ان العرض النفطي من السعودية و»اوبك» يكفي لتزويد الاسواق، وايضا اخبار تتردد عن احتمال تقدم المحادثات بين ايران والدول الست حول الملف النووي رغم انها لم تشهد خرقاً في مضمونها في الجولة الاولى مع وزير الخارجية الايراني الجديد ظريف. الا ان سعر برميل البرنت في سوق لندن (وهي السوق النفطية العالمية الاساسية) بقي عند مستوى ١٠٥ الى ١٠٦ دولارات والمتعاملون في اسواق النفط لا يتوقعون انخفاض سعر البرنت الى اقل من مئة دولار لعدد من الاسباب منها المشاكل الامنية في ليبيا التي شهدت انخفاضاً كبيراً في تصديرها للنفط مع سيطرة مجموعات مسلحة على آبار النفط. فحالة الفوضى في ليبيا غير مطمئنة وهي مستمرة وليست مرحلية طالما لم تكن هناك قوات عسكرية حقيقية وشرطة بكل معنى الكلمة للدولة. وايضا المشاكل في نيجيريا وهي دولة نفطية كبرى ولكنها تشهد باستمرار عدم استقرار في القطاع النفطي. ثم ان العقوبات الدولية على ايران اثرت بشكل كبير على انتاجها النفطي الذي انخفض باكثر من مليون ونصف مليون برميل في اليوم منذ ان فرضت عليها العقوبات.

مما لا شك فيه ان انتاج السعودية يبقى في مستوى ١٠ ملايين برميل في اليوم او اكثر من ٩ ملايين برميل طالما هناك بعض النقص من دول «اوبك». وطالما هناك حاجة لهذه الكميات ستبقى السعودية تضخ لتزويد الاسواق بما تحتاجه من النفط. ورغم كل ما يقال عن استقلالية الولايات المتحدة من نفط شرق الاوسط حسب رئيس «ارامكو» خالد الفالح ان الطلب العالمي على النفط سيزيد خلال العقدين القادمين بـ ٢٠ مليون برميل مؤكدا ان النفط والغاز سيبقيان في طليعة مصادر الطاقة. وقال الفالح في مؤتمر عالمي في كوريا ان «ارامكو» زادت استثماراتها السنوية من ٤ بلايين دولار الى ٤٠ بليوناً للاستمرار على المحافظة على قدرة انتاجية فائضة باكثر من مليوني برميل في اليوم لمواجهة اي طارئ.

السعودية وهي اكبر منتج في «اوبك» تلعب دوراً اساسياً في الاسواق العالمية في انها تمنع حصول اي شح في الاسواق يؤثر سلبا على الاقتصاد العالمي، ومهما قيل عن استقلالية اميركا من امدادات نفط الشرق الاوسط سيبقى دور المملكة اساسياً على صعيد المساهمة في استقرار الاقتصاد العالمي ومنع مستوى اسعار النفط من الارتفاع بشكل كبير او الانخفاض الى مستويات سلبية للدول المنتجة ولاقتصادها. انما هناك تحد كبير تواجهه السعودية داخليا وهو استهلاكها الداخلي الكبير للنفط لمعامل الكهرباء في المملكة لان كمياتها من الغاز لا تكفي لهذا الاستخدام. فتستهلك السعودية داخليا بين ٦٠٠ الف و ٨٠٠ الف برميل من انتاجها النفطي سنويا لانتاج الكهرباء. وتستهلك داخليا حوالي ٣ ملايين برميل يوميا من النفط وهو مجموع الاستهلاك المحلي مما يمثل زيادة سنوية باهظة اذا لم تقتصد السعودية استهلاكها الداخلي. ودخلت «ارامكو» في مشاريع استثمار لتنقيب وانتاج الغاز الصخري وهي استثمارات مرتفعة الكلفة ولكن نمط استهلاكها الداخلي من النفط الخام مكلف ايضا على المدى الطويل. وقد حذرت «ارامكو» مرات عدة في الماضي من ضرورة رفع سعر الكهرباء للحد من هدر الاستهلاك.

ان تحدي الاستهلاك المحلي في السعودية حقيقي وينبغي معالجته بشكل ملح لان نموه سنويا ليس لمصلحة قطاع النفط الاساسي لاقتصاد السعودية. ان مسؤولي قطاع الطاقة في السعودية اسرعوا في استثماراتهم للغاز الصخري لادراكهم لهذا التحدي الكبير. انما ينبغي ان تكون هناك جهود كبرى حقيقية من اجل خطوات ملموسة لاقتصاد الطاقة محليا. فالسعودية تجاوزت مستوى استهلاك البرازيل رغم ان عدد سكان البرازيل اكبر بكثير. ان عقلانية السياسة النفطية السعودية على مستوى الاسواق العالمية والاقتصاد العالمي ينبغي ان تواجه معالجة هذا التحدي الكبير الداخلي للحد من استهلاك الطاقة محليا والحرص على عدم هدر هذا المصدر الاستراتيجي لاكبر دولة نفطية في «اوبك».

المصدر:
الحياة

خبر عاجل