طبعاً، الشيء الواضح للغاية في ظل تمادي التعثّر في التشكيل الحكومي, هو أن الثرثرة التي تلاكُ وتعادُ ليلَ نهار حول كل ما يمتّ بذي صلة بالموضوع، إنما هي من دون صخب حقيقي، وتأتي في ظل لا مبالاة واسعة من الناس في البلد، رغم كل ما تفرضه الملفات الحياتية بطبيعة الحال من جو ضاغط للإسراع في التشكيل.
هي ثرثرة لأنّ المشاركين فيها يعلمون تماماً أنه لم يكن الوضع في لبنان بهذا الاستلاب لعواصم القرار خارجه، ولم تكن عواصم القرار الى هذا الحد تجمع على تأجيل أي قرار جدّي يتعلّق بمستقبل الوضع في لبنان. فالبلد يعيش أكثر من أي وقت آخر وقائع تحوّله الى “مضمار تنفيذي” للسياسات الخارجية المختلفة، لكنه يعيش الحالة في الوقت نفسه كـ”مضمار تنفيذي مع وقف التنفيذ” طالما أنّ الكل مجمع أنّ الوقت ليس وقته. لكن الفرقاء السياسيين اللبنانيين، وبدل الإقرار بالحدّ الأدنى من هذه المعادلة التأجيلية الشاملة، إنما يؤدّون واجبهم على أكمل وجه: خوض المساجلات حول طبيعة التشكيلة الحكومية الجديدة بشكل لا يقارب المسألتين الأساسيتين.
الأولى أنّ القرار في هذا الشأن سُحِبَ تماماً من اللبنانيين، لكنه ضاعَ في عواصم القرار نفسها.
والثانية أنّه أيّاً كانت الصيغ والتخريجات لقول الأمر، فما نعيشه يتجاوز مسألة تشكيلة حكومية، وبيان وزاري، وميليشيات لبنانية خمينية ترتكب الفظائع في سوريا، ليطال “صلب الموضوع”: هناك علاقة تواطؤ بين سؤال “وماذا يعني أن نبقى بلا حكومة؟” وبين سؤال من طينة “ما هي آفاق العيش معاً في هذا البلد؟”.
بمعنى آخر، الفضيحة ليست أن هناك بلداً بلا حكومة ويؤدي به وضع كهذا الى التخلع والانفجار، هذا لو حدث، هو المآل الطبيعي للتهافت الحاصل.
الفضيحة هي عندما يحصل العكس. بلد من دون حكومة ولا يبدو أن ثمة حكومة في الأفق، وبمجلس نيابي ممدّد لنفسه، وبكل شيء ممدّد له بشكل أو بآخر، ومع ذلك يتأجل فيه صاعق التفجير نفسه.
هذه الحالة يمكنها أن تكون الأخطر. لأنها أساساً غير سوية، وتقول لنا إن النظام السياسي اللبناني كله في مقلب، ومعادلات التعطيل وعدم التعطيل، والتفجير وعدم التفجير في مقلب. هذا يشبه تماماً قصة “حزب الله” مع “البيان الوزاري”. الحزب يعتبر أنه في غنى عن الإجماع الوطني بين اللبنانيين حول “مقاومته”. لكنه لا يستغني أبداً عن الإجماع الوطني الشكلي في البيان الوزاري. لماذا؟ هل لطمأنة إيران مثلاً، بأن اللبنانيين يجمعون على المقاومة؟ أم للاحتماء بهذا البيان من المجتمع الدولي وأميركا والغرب؟ فعلاً، ما هي وظيفة البيان الوزاري في أجندة “حزب الله”؟ ما هي وظيفة الحكومة نفسها في هذه الأجندة؟ والنظام السياسي ككل؟ لا يحتاج الى كل هذا كله للتستر على شيء. لا ينفعه أي شيء من هذا للاحتماء به لا قليلاً ولا كثيراً.
المفارقة هنا. التشكيل الحكومي يبدو مؤجلاً. الانفجار الداخلي يبدو مؤجلاً. لكن، الصراع الداخلي نفسه، يبقى، في جوهره المنحّى عن القيل والقال الحاليين مؤجلاً، لأن هذا الصراع لا يمكن أن يكون جوهره هو تنازع المنزل ذي الطابع الأثري الآيل للسقوط، بل التنازع على العمارة التي ستبنى من بعده. بكلمة أخرى، بعد كل هذا التعطيل والتأجيل، وبعد أن سحب القرار من اللبنانيين الى هذا الحد، وتاه بين العواصم، هل هناك من يعتقد جدياً بأنه فجأة يمكن إعادة تشغيل محرّكات هذا النظام السياسي كأن شيئاً لم يكن؟
أن يرزح البلد في ظل كل هذا التعطيل ويبقى الاستقرار الهش متاحاً، فهذا لا يعني إلا شيئاً واحداً: إننا لم نعد في هذا البلد نتفق على شيء. هي حالة أشبه بالموت السريري، كيانياً.