كيف ينظر “حزب الله” الى لبنان، في واقعه الحالي ومستقبله؟ والى تأثير مجريات الصراع في سوريا على التوازنات الداخلية والموقع الاقليمي للبنان؟ كيف يقارب مأزق تشكيل الحكومة الجديدة بعد نحو سبعة أشهر على المساعي في هذا الاتجاه، وبأيّ توجهات يلاقي الاستحقاق الرئاسي بعد نحو ستة أشهر من الآن؟ ايّ استراتيجية يعتمدها لدور لبنان في اطار “البازل” الاقليمي؟ وماذا عن علاقته بخصومه ومشروعهم؟
مصادر قريبة من “حزب الله” رسمت لوحة من المقاربات والمواقف والاشارات تشكل رداً على تلك الاسئلة، عندما تحدثت الى “الراي” الكويتية عن ان “الحراك السياسي الدائر الآن لا يعني بالضرورة الاقتراب من امكان احداث اختراق في الملفات المطروحة، وفي مقدمها تشكيل الحكومة”، مشيرا الى ان “محاولة 14 آذار فتح قنوات اتصال مع 8 آذار لا يعدو كونه حركة بلا بركة، لان الحليف الاقليمي لـ 14 آذار ليس في وارد تقديم تسهيلات تفتح الطريق امام تشكيل الحكومة ولأن الغرب غير مهتمّ ايضاً لان لبنان خارج دائرة اولوياته”.
ولفتت المصادر الى ان “المملكة العربية السعودية التي لم تتردّد في اعلان نقمتها على المجتمع الدولي برفضها تسلم المقعد غير الدائم في مجلس الامن ربطاً بموقفها مما يجري في سوريا، لن تقدم على اي خطوة من شأنها تسهيل الحلول في لبنان، اضافة الى ان الرئيس الاميركي باراك اوباما كان شديد الوضوح في رسم اولويات ادارته عندما تحدث عن خطريْن في المنطقة يتعلقان بالنفط وأمن اسرائيل، فهو يخشى قفل ايران مضيق هرمز وما قد يسببه ذلك من اشتعال اسعار النفط وانهيارات في البورصات العالمية، ويخشى ايضاً على اسرائيل من صواريخ ايران وحزب الله، وتالياً فانه يرسم استراتيجية على قاعدة تفادي هذين الخطرين”.
وأبدت هذه المصادر اطمئناناً لما حققه ما يوصف بـ”خط الممانعة”، وهو التحالف الذي يشمل ايران و”حزب الله” ونظام الرئيس السوري بشار الاسد، انطلاقاً من مقاربته للواقعين الاقليمي والدولي اللذين يدور في فلكهما لبنان. وقالت: “ما دامت محاولات تجميد الوضع في لبنان مردها الى انتظار ما سيؤول اليه الصراع في سورية، فان خط الممانعة مطمئن الى بقاء النظام حتى لو اغتيل الرئيس بشار الاسد. لن يفاوض احد على رحيله، لكن غيابه كرمز بالاغتيال او بأيّ شيء آخر لن يغيّر من تحالفات النظام الذي سيستمرّ في خط الممانعة مع ايران وحزب الله”.
وحرصت المصادر على تأكيد “هذه الحقيقة” حين قالت: “هذا الامر ينطبق على حزب الله الذي لن ينتهي في حال رحل رمزه، أي أمينه العام السيد حسن نصرالله، بعدما تحوّل مؤسسة تضم نحو مئة الف رجل من عناصر وكوادر وقادة، والدليل على ذلك ان اغتيال اسرائيل لامينه العام الراحل عباس الموسوي، لم ينهِ الحزب بل زاده تَجذُّراً وتَوسُّعاً وقوة”، لافتة الى ان “حزب الله مستعد الآن للتفاوض لترتيب الأوضاع في لبنان، لكنه اذا نجح الحل السياسي في سوريا فسيكون لمصلحة خط الممانعة وستتحول وجهة الحرب الى محاولة القضاء على التكفيريين (داعش وجبهة النصرة)، وعندها سيقتصر رأسمال الخط المعادي للمقاومة على السيارات المفخخة، وهو الامر الذي لن تقبل البيئة الحاضنة للمقاومة التعاطي معه على قاعدة مَن يضربك على خدك الأيمن دُر له الايسر”.
ورأت المصادر في هذه “الخلاصات المرتبطة بمستقبل الوضعين في سورية والمنطقة ما ينسحب على التوازنات في لبنان”، مشيرة الى ان “المشكلة في لبنان انعكاس لطبيعة التحالفات في المنطقة، فلو تُرك الامر للسنّة والشيعة لادارة حوار لترتيب الاوضاع لأمكن التوصل الى حل، لكن الصراع بين المشروعين الاميركي – السعودي – 14 آذار من جهة والايراني – السوري – حزب الله – 8 آذار من جهة أخرى يحول دون ذلك، رغم ما يُعرف عن سنّة لبنان من ميلهم لبناء دولة، فغالبيتهم من سكان المدن الذين يمتهنون التجارة ويحرصون تالياً على الاستقرار”.
هذه الاستنتاجات تعني بحسب هذه المصادر ان خط الممانعة سيكون في وضع يتيح لـ 8 آذار المطالبة بتعديل الدستور واعادة توزيع كعكة السلطة على قواعد تمليها التوازنات الجديدة في الداخل وفي المنطقة ايضاً»، موضحة ان “تعديل الدستور يمكن ان يتمخّض عن الانتخابات النيابية من خلال اقرار قانون انتخاب يقوم على اعتماد لبنان دائرة واحدة في اطار نظام الاقتراع النسبي ليصبح كل نائب يمثّل الأمة جمعاء”.
ولفتت المصادر عيْنها الى ان “عصر التنازلات انتهى. فحزب الله لن يتراجع في ملف تشكيل الحكومة عن امرين: الاول امتلاك 8 آذار للثلث الضامن وفي شكل لا لبس فيه (الثلث + واحد)، والثاني وهو الأهمّ تضمين البيان الوزاري معادلة الشعب والجيش والمقاومة”، كاشفة عن ان “حزب الله لن يتردد في القول للآخرين اما حكومة بشروطي واما البقاء بلا حكومة حتى لمئة عام”.
واعتبرت هذه المصادر انه “رغم اهمية موقف زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في ملف تشكيل الحكومة، والذي يصبّ في مصلحة 8 آذار، فان حزب الله يريد ثلثاً ضامناً من دون جنبلاط للحؤول دون تحكّمه بمصير الحكومة وقراراتها”، مشيرة الى انه “اذا وصلنا الى الاستحقاق الرئاسي من دون حلّ يعتمد السلّة الواحدة لمختلف الملفات، فسيكون من الصعب التمديد لرئيس الجمهورية الحالي، فمن الآن وصاعداً لن يمرّ ايّ شيء من دون موافقة خط الممانعة، وهو الخط الذي لن يتنازل قيد أنملة عن حقوقه بعد اليوم، ولن تتكرر تجربة اعطاء وزير سني من حصة الشيعة على غرار ما حدث يوم تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. هذا الامر كان لمرة واحدة وأخيرة”.