|
|
إعتذار المملكة العربية السعودية عن قبول عضوية مجلس الأمن، لم يكن مجرد اعتذار، فهي إذ اعتذرت بعد أن تم انتخابها بأكثرية تكاد أن تبلغ إجماع الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة، كان هذا الإعتذار، أكثر من ذلك بكثير، وأهم من ذلك بكثير.
إن المملكة العربية السعودية التي تعيش في هذه الأيام على ما يبدو بمرحلة صياغة الملامح الجديدة لسياستها الحالية والمستقبلية تمر في الأيام العصيبة بمرحلة من التململ الهادئ تارة والمتزلزل تارة، وانقلب ذلك لديها إلى مزيج من التفجر المكبوت والغضب المتشدد، على توجهات السياسة الدولية عموما، والغربية خصوصا، والأميركية على وجه أخص، لما بات واضحا وجليا من مواقف الولايات المتحدة التي لطالمـا كالت بمكيالين، خاصة في ما تعلق، بمواقفها من قضايا العرب عموما ِ، وفي طليعتها القضية الفلسطينية، وكان مرآة الكيل بمكيالين بل بمكاييل متعددة، مجلس الأمن ومقرراته ومواقف الولايات المتحدة فيه، المتمثلة بعشرات قرارات النقض «الفيتو» المستعملة جميعا وبشكل حصري وعلى مدى سنوات تناهز الخمسة وستين عاما، لمصلحة، إسرائيل، وكرمى لعيونها، فهي تمون في كل قضية لمجرد أن يكون إسم الدولة العبرية واردا أمام المجلس، كائنا ما كانت الشكوى وكائنا ما كانت القضية، فالفيتو الأميركي جاهز دائما وأبدا لمناصرتها والدفاع المستميت عن مواقفها.
ومرت السنوات، وليس هناك تقريبا من معترض على أي أمر وعلى أي قرار يصدره مجلس الأمن إلا الفيتو الأميركي، وحده لا شريك له، واحتساب بسيط يظهر أن ذلك لم يكن إلاّ في إطار نصرة الكيان الصهيوني، وسحق أي موقف عربي لا يتلاءم ولو جزئيا، مع المواقع والمصالح الصهيونية.
وها هو ذلك القادم الجديد إلى دنيا كثافة الإعتراضات والفيتوات: المعترض الروسي الذي لا يخفي اهتمامه الشديد بربيبه المتجدد: النظام السوري، بكل مظالمه وآثامه ومجازره بحق شعبه، خاصة بعد أن تطورت وسائل القتل والتدمير، متدرجة من السلاح العادي، إلى قصف المدافع والدبابات والطائرات، إلى تدمير الصواريخ المتنوعة والبراميل المتفجرة التي تتفنن الطائرات في إلقائها على كل حياة تحبو على الأرض، وكل عمار أشيد على مدى قرون وأجيال، وكل حضارة إنسانية ودينية وفكرية وفنية وعمرانية لطالما كانت مجالا للفخر والإعتزاز، وصولا إلى حدود القتل بالسلاح الكيماوي المحرم دوليا منذ ما يناهز المائة عام، فكان أن تجدد استعماله ضد الشعب السوري وضد أطفاله ونسائه وشيوخه عن طريق ذلك النظام الغاشم الذي وجد فيه حاكم روسيا بوتين وبطاناته، ما يعادل الحضانة الأميركية لإسرائيل، ووصل في ذلك إلى حدود التواطؤ الظالم، مع رئيس التردد والتهرب والفشـل المتعاظم… الرئيس أوباما، فكان «حلّ» تذكّر أولا مصالح أصحابه المشبوهة، فحصرها عن سابق تصور وتصميم في السلاح الكيماوي الذي قضى به النظام على ما يناهز الألف وخمسماية سوري ونسى أن هناك سلاحا تقليديا قضى على ما يناهز الماية وخمسين ألف شهيد سوري آخرين، وأن هناك نظاما مستمرا في القتل والذبـح والاعتقال والتعذيب، وإغراق البلاد في خراب ودمار لا يتماثل مع أي شيء من قبيله في هذا العالم.
وها هي روسيا اليوم تلحق بالولايات المتحدة الأميركية من خلال سخائها في طرح الفيتوات على كل ما له علاقة بالنظام السوري. ويستنتج مما يستشم مـن بواطن الأمور أن هناك أمورا جديدة لها علاقة بالتاريخ والجغرافيا في هذه المنطقة، تجرى لها في هذه الأيام، جراحة أولية تمهيدا لإطلاق يد الجراحين في كياناتها وفي العبث بأوضاعها.
وها هي المملكة العربية السعودية تتحرك اليوم بما يخالف نهجها السياسي السابق تجاه المواقف الأميركية، ها هي تنتفض في مواقفها إلى حدود أصابت الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا، بنوبة من الإستغراب والإنزعاج، فالموقف السعودي قد ألقى بأضوائه الساطعة على ذلك النظام الدولي الغاشم والذي تمثل الأمم المتحدة بشقها المتمركز في مجلس الأمن، جوانبه المظلمة التي نال العرب والمسلمون منها، شتى أنواع المظالم، وفي طليعتها، ما ذكره البيان السعودي «الإنقلابي» من حيثيات وصل في نهايتها إلى قراره الصائب بالإعتذار عن قبول انتخابه عضوا في مجلس الأمن، مثلما سبق لوزير الخارجية السعودي أن امتنع عن إلقاء خطاب المملكة في الهيئة العامة للأمم المتحدة، وهما قراران متلازمان متلاقيان، تصرخان بالفم السعودي الملآن: لا… لا لما كان من مظالم، ولا لما هو قائم من مصائب، ولا لما يشغل له ويفبرك من مؤامرات على مستوى العالم بأسره، وبصورة خاصة، على مستوى العالمين العربي والإسلامي.
ولم يكن مستغربا ذلك التصريح الذي أدلت به مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة والذي حاولت فيه أن تقلل من شأن ومن أثر ذلك الموقف، فالصفعة قد طاولت كل من تحت إبطه «مسلة» فتصيبه بالوخز والنعر عند أدنى حركة، والتقليل الأميركي في هذا الإطار يشكل استكمالا لسياسة الهرب والتخاذل والتراجع عن الوعود والعهود التي بات الرئيس الأميركي مشهورا بها، ومشهرا به من خلالها.
المملكة العربية السعودية… كانت وما زالت، طليعة الدول المعتدلة في جميع مواقعها ومواقفها السياسية والعربية والإسلامية، هي دولة الحرمين الشريفين والكعبة المشرفة، هي منشأ الإسلام السمح والحضاري والمسالم، وما يقابلها، هم مخترعون لإسلام على ذوقهم، وقد شكلوا مع الأسف، إسلاما مختلقا ومزورا، ومرتبطا كليا بالعنـف والتطرف والتكفير والتعامل اللاإنساني، الأمر الذي الحق بالإسلام والمسلمين، كثيرا من المساوئ والإساءات والسمعة السيئة.
إن الذين يعملون بشكل أو بآخر على إضعاف هذا النهج المتحرر والداعم للعلاقـات البشرية والإنسانية المتآلفة والمتكاتفة على مستوى العالم كله والأديان كلها، إنما يعملون بما تنتجه سياساتهم وتصرفاتهم من إلحاق الأذى بهذا العالم الذي بات أشبه بقرية كبيرة، تنحصر فيها الأحداث ويسيء إليها ويؤذيها كل وضع سلبي ينشأ حيثما كان من أماكنها ومناطقها، متسلحا بالعنف والتطرف وبكل التصرفات المسيئة والمنفرة.
ومن الغريب أن تتباعد السياسات ولو جزئيا ما بين بلاد تزعم أنها بلاد الحرية والأحرار، وتتكاتف مع أوضاع شاذة تنشأ في العالم العربي والإسلامي، ولنا في الوضع المصري القائم خير دليل، حيث تعمد الولايات المتحدة ما أمكنها وما طالت يدها، إلى إيذاء الوضع المستجد في مصر، بينما الوضع المعاكس، مكشوف ومعروف، وكأنما الشغل الشاغل للولايات المتحدة في هذه الأيام، إختلاق المطبات العميقة التي تؤخر في صحوة العالم العربي وتعيق انطلاقاته المستجدة، وما يحصل في سوريا… يصب هو الآخر… في المطب نفسه.
ما نرجوه ونتوقعه من حقائق ومعالم السياسة السعودية الحالية والمقبلة، مواقف ريادية تقود المملكة من خلالها وتمسك بالكثير من خيوط السياسة الإقليمية والدولية الفاعلة. إن كثيرا من الآمال باتت معقودة على هذا التوقع.