فمنذ العام 2005 وقوى 8 آذار تحاول قلب الطاولة على قوى 14 آذار، وعلى الرغم من السلاح والعتاد والتهديد والوعيد والإنقلابات لم تمل كفة الميزان لقوى 8 آذار لأنها وبكل بساطة لم تلتزم يوماً بالدستور، وما كانت تريد تطبيقه من قوانين على قوى 14 آذار في العام 2008 مثلاً ترفض اليوم أن تطبّقه على نفسها، ولا مكان بالتالي “يُصرف” فيه كلام قوى 8 آذار السياسي غير تغطية إطالة عمر حكومة تصريف الأعمال وتعطيل قيام حكومة جديدة.
لم يشكل تأجيل الجلسة أمس مفاجأة، حيث أن قوى 14 آذار طالبت صراحة بتغيير بنود جدول الأعمال، لكن “لا حياة لمن تنادي”، حتى انتخاب اللجان لم يتبدّل وقد جاء التغيير البسيط ليكسر رتابة المجلس شبه المقفل على القانون.. فالطلبات تبقى أمنيات إذا جاءت من طرف قوى 14 آذار وتتحوّل الى أوامر إذا ما صدرت عن قوى 8 آذار، وطالما أن رئيس المجلس قرر هذه المرة أن يقفل باب المجلس على الدستور والقوانين، وهو صاحب السوابق في إقفال المجلس لمدة عام ونصف العام!
ومقارنة مع اليوم، فإن العامين 2007 و2008 كانا يحفلان بالتعطيل، من الثلث المعطّل في الحكومة الى تعطيل المجلس النيابي وإقفاله.. وقوى 8 آذار تقول إن الحكومة المستقيلة تجرّ استقالة كل المؤسسات، فأين كانت غيرة قوى 8 آذار على الدستور والقانون حين أقفل رئيس مجلس النواب المجلس؟ ولماذا لم يلمس اللبنانيون غيرتهم على العمل المؤسساتي كما هو جارٍ اليوم؟
تأجيل الجلسة العامة للمجلس كانت مناسبة استغلّها نواب قوى 8 آذار لإطلاق مواقف سياسية تهدف الى تعويم أجندتها وإلهاء الرأي العام بسياسة الزواريب الضيّقة وتنفيذ المصالح الممانعة التي لا تمت الى الخير العام بصلة.. ويقول عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب علي فياض بأن “الفريق الآخر أي تيار المستقبل ليس لديه قرار بتشكيل الحكومة ولا بتسيير عمل المجلس النيابي”. وهل قرار تشكيل الحكومة يصدر عن تيار أو حزب في لبنان؟ كيف ذلك وتيار “المستقبل” مرتبط بأحزاب في قوى 14 آذار ومتوافق معها على ضرورة نزع السلاح وإبعاد لبنان عن المخاطر التي يتعرّض لها؟ وتسيير الحكومة والمجلس النيابي بعيداً عن هموم الشعب ليس من ضمن قناعات تيار “المستقبل”.. فهل النفط والتنقيب مثلاً أمور ملحّة لا يمكن للبناني أن يكمل حياته من دونها؟ ولو كانت كتلة “الوفاء للمقاومة” شديدة الحرص، كما تدّعي، على سير المؤسسات في البلد، فلمَ ارتضت بالإنقلاب على الدستور أو قبلت بأن يقفل حليفها المجلس النيابي؟
وما هي الفائدة التي ستجنيها كتلة “الوفاء للمقاومة” حين تستخدم الثلث المعطّل للإنقلاب على الدستور وتعطّل بالتالي سير حكومة الوحدة الوطنية، ثم تشكّل حكومة تضمن بغالبيتها الثلث المعطّل لتعطّل أيضاً سير الحكومة، ثم تطالب لنفسها بالثلث المعطّل في حكومة وحدة وطنية! فهل يصحّ هنا ما قاله فياض بأن “الموقف المعطل الحقيقي هو موقف تيار المستقبل لاعتبارات تتصل بسياسات إقليمية هو ملتزم فيها، لا حكومة بحسب قراره ولا تسهيلاً لعمل جلسات المجلس”؟ هكذا و”على عينك يا تاجر” تنكّل قوى 8 آذار بالدستور، دونما اعتبار للحنكة التي يتمتّع بها الشعب اللبناني في الأمور السياسية بعدما ذاق مرّ العلقم في ظلّ تحكم “حزب الله” بالسياسة.
ليس بالضرورة ليعود اللبنانيون بالذاكرة خمسة أعوام الى الوراء على الرغم من أنهم لم ينسوا.. فمن عطّل الانتخابات النيابية غير تعنّت قوى 8 آذار بما يناسبها من قوانين، على الرغم من أن ما يناسب قسماً منها لم يكن مقنعاً للبعض الآخر.. حينها رفضت قوى 8 آذار أن تحمل كل مشاريع القوانين الى المجلس ليجري التصويت عليها لأنها ترفض الامتثال للدستور والقانون والمشاركة في بناء الوطن.
وفي الإطار عينه، يتحالف “حزب الله” مع حركة “أمل” في الهجوم على قوى 14 آذار، ما يسمّيه عضو كتلة التنمية والتحرير” النائب هاني قبيسي “الآخر”، قائلاً “يكفي تعطيل للمؤسسات، وعلى الجميع أن يعود الى رشده، ونحن نفتح نوافذ للتواصل، والآخر يقفل الأبواب بوجه عمل مؤسسات الدولة اللبنانية”. ليت العودة الى الرشد يكون بالاتّعاظ من التجارب وعدم تكرارها، فإقفال المجلس النيابي لم يقرّه الدستور ولن يشكّل العمل في ظلّ حكومة مستقيلة عرفاً جديداً تبني عليه قوى 8 آذار لتحقق المثالثة مع الثلث والثلاثية. وهل يقع اللوم على من يسعى الى وقف التعدّي على الدستور أم على من يعيش يومياً على أمل الإطاحة به؟ وجه لبنان لن يتبدّل لأن دستوره يقرّ بالفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، ولم يعترف لأي سلطة بحقّها في العمل منعزلة عن السلطات الأخرى.. وإلا لانتفت الحاجة الى الحكومة ولعَمِل مجلس النواب منفرداً، أو ربّما كان الشعب سيتخلّى عن النظام ويحكم بنفسه من دون الالتزام بقانون ودستور.