يتّضح يوميّاً أحد وجوه المعادلة الجديدة التي تحكم البلاد منذ سبعة أشهر، ففي مقابل تعطيل تأليف حكومة جديدة تحيي السلطة التنفيذية، هناك إصرار على تعطيل الصفة التشريعية للمجلس النيابي، في لعبة باتت مكشوفة مهما حشدَ طرفا النزاع من معطيات يغلّفانها بمقتضيات دستورية. فإلى متى؟
بعيداً من مرافعات طرفي النزاع عن مقتضيات الدستور، وفي ضوء الاتّهامات المتبادلة بالمقاطعة والتعطيل، هناك ثابتة وحيدة مفادُها أنّ الحكومة معطّلة ومعها السلطة التنفيذية التي أنيطت بها جرّاء تهاوي مشاريع التشكيلات الوزارية واحدة تِلوَ أخرى، فتعطّل في المقابل دور المجلس النيابي التشريعي، في خطوة تعكس النزاع الدائر بين قوّتين اكتسبتا صفة “الميثاقية الدستورية” نتيجة التمترس وراء الطائفة والمذهب، في ظروف لا حاجة للبحث فيها.
وعلى هذه الخلفيات والثنائية السنّية ـ الشيعية التي تولّدت على طرفي نقيض، انعكاساً لكلّ ما يجري في سوريا والمنطقة، جُمِّد العمل في المؤسّسات إلى حين، وسط كثير من السيناريوهات السلبية التي تتحدّث عن ضرورة الإستعداد لمرحلة طويلة من المراوحة، طالما إنّ موازين القوى لم ترسُ بَعد على صيغة “غالب ومغلوب” لا في سوريا، ولا على مستوى المواجهة القائمة من عمق الخليج العربي إلى “القارّة الفارسية” وما نما على طرفيها من أشكال نزاع بلغ ذروته في مجلس الأمن الدولي، بعدما تجلّى المشهد السوري بـ”أبهى” الصيغ عن الأحلاف المتنارعة في سوريا وعليها.
والأخطر من كلّ السيناريوهات المتوقّعة، ذلك الذي يقول إنّ حال الشلل المؤسّساتي في البلاد طويلة الأمد، وقد تتجاوز كثيراً من الإستحقاقات الدستورية المقبلة وصولاً الى الرئاسي منها، تزامُناً مع ما هو متوقّع من “تطويل” للأزمة السورية، في ظلّ فقدان التوازنات المطلوبة لتوفير مخرج يقبل به الجميع، وفي انتظار اقتسام المغانم كاملةً في المنطقة بين الثنائية الأميركية ـ الروسية الجديدة وحلفائها على ضفّتي النزاع.
ومن هنا نشأت المعادلة الجديدة، وهي: “طالما إنّكم قادرون على تعطيل مهمّة الرئيس المكلّف تأليف حكومة جديدة بالصيغة التي يرغب بها، ومَن وراءَه مِن قوى سياسية ونيابية على خلفية الأكثرية السنّية، فإنّه لن يكون هناك مجلس نيابيّ فاعل يقوم بدوره التشريعي المنوط به أصلاً. وكلّ ذلك يجري ليشكّل أفضل تعبير ومرآة تعكس حال المراوحة التي تشهدها الساحة السورية، وفقدان قدرة أيّ من طرفي النزاع على حسم المعركة لمصلحته”.
فالنظام السوري الذي تجرّع كثيراً من المقوّيات الدولية، على وقع الاتّفاق الذي رافق تفكيك السلاح الكيمياوي، ما زال يواجه معارضةً، مهما تشتّتت وتناحرت قواها، وفشلت في توفير القائد البديل لرأس النظام والقادر على إدراة الفترة الإنتقالية، لن يقوى عليها، مهما حشد من أسلحة وقدرات جوّية وبرّية فاقت كلّ التوقّعات نتيجة الجسور الجوّية المفتوحة أمام العتاد الحربي على أنواعه، بين دمشق وكلّ من طهران وموسكو.
وقياساً على هذه المعادلة، ستبقى الساحة اللبنانية أسيرة التوازنات السورية، بفارق بسيط، وهو أنّ الفتنة المذهبية ممنوعة، لكنّ المجال مفتوح امام نزاع سياسيّ طويل ينعكس شللاً متبادلاً في المؤسّسات التي يتحصّن وراءَها طرفا النزاع بنسخته اللبنانية نيابة عن القوى الإقليمية والدولية المتنازعة.
وباعتراف المعنيين بالشأن العام، وقياساً على الإقرار بالعجز عن اجتراح الحلول والمخارج، يبدو أنّ من السهل المضيّ في تعزيز الإنقسامات داخل المؤسّسات الدستورية، وسط الرهان على أدوار القوى الإقليمية وأحجامها، في انتظار أن يحسم أيّ من طرفي النزاع على سوريا الأمرَ لمصلحته، ليترجمه في لبنان على كلّ المستويات، بدءاً من التشكيلة الوزارية، وصولاً إلى الإستحقاقات الدستورية الأخرى، بعدما أضيف منذ اليوم الإستحقاق الرئاسي المقرّر في أيّار المقبل، الى لائحة “الإستحقاقات المستحيلة” بعد الإستحقاق النيابي الذي تجاوزته البلاد في حزيران الماضي، كذلك بالنسبة الى الإستحقاقات الإدارية التي تهدّد المؤسّسات بالشلل أو باستمرار حال الفوضى والرشوة فيها، والتي بلغت حدوداً لا يمكن معالجتها، طالما إنّ كلّ أدوات المحاسبة مشلولة، وصولاً الى المجلس الدستوري الذي أصيب بنكسة ليس سهلاً تجاوزها في المدى المنظور.
وعلى هامش “المعادلة التعطيلية” نجحت “القوّتان الميثاقيتان” أمس الأوّل في الحفاظ على هيكلية المجلس النيابي بالتئام الجلسة بنصاب كامل، وهي التي مدّدت لهيئة مكتبه وأعضاء اللجان النيابية في خلال أقلّ من عشرين دقيقة، وسط ما يشبه تبادل المصالح بينهما أيّاً تكن النتائج، والأخطر أن تكون المرحلة التي ستسقط فيها “الصيغة اللبنانية” برُمّتها قد دنت، فمن يستطيع أن ينفي احتمال أن تكون هي الهدف المقبل؟