مرفأ بيروت…”عنابر” فساد وأحواض في قبضة أحزاب

كتبت باسكال بطرس في صحيفة “الجمهورية”:

«مغارة علي بابا». هذا هو العنوان العريض الذي يصلح لأن يتصدّر أحد أهمّ المرافق الحيوية في لبنان وأشهرها فساداً: مرفأ العاصمة الذي تنشط فيه أعمال الاستيراد والتصدير المفخّخة بالصفقات والرشاوى «الروتينية»، والذي تديره مجموعات تحظى بغطاء سياسيّ من أكثر من جهة، تخالف القانون وتحقّق أرباحاً غير مشروعة.

لا يُسمَح لأيٍّ كان الدخول إلى مرفأ بيروت من دون الحصول على تصريحٍ من الأمن العام. غير أنّ الباب الخلفيّ لـ”العنبر 19″ مفتوح على مصراعيه لكلّ من يريد التسلّل الى المرفأ من دون حسيب أو رقيب. وهذا ما حصل مع “الجمهورية”، فدخلنا المستودع من دون أن نلفت انتباهَ الموظفين ومخلّصي البضائع، المنهمكين بتسيير معاملاتهم. فالمستودع أشبه بخليّة نحل. الجميع في حركة مستمرّة. الفوضى عارمة، فضلاً عن الأوساخ والنفايات المنتشرة في كلّ مكان. حتى كاميرات المراقبة، المعشّشة في زوايا العنبر، تعجز عن التصوير لأنّها موجّهة نحو الحائط على مدار الساعة، هذا إن لم تكن معطّلة أصلاً. هنا تُعقَد الصفقات وتُدفَع الرشاوى لإنجاز المعاملات القانونية وغير القانونية. وفي معظم الأحوال، يسعى التجّار إلى إدخال بضائع ومستوعبات إلى المرفأ و”تهريبها” من الكشف على محتوياتها وحتى من دفع الرسوم الجمركية المتوجّبة، في ظلّ غياب شبه كامل للرقابة… في هذا المكان تخسر الخزينة اللبنانية يوميّاً مبالغ خيالية تفوق مئات مليارات الليرات… “وعلى عينَك يا تاجر”.

«عجقة» فساد

هذه هي حال مرفأ بيروت، الذي لا يعجّ بالحاويات التي تشحن البضائع فقط، بل بالفساد أيضاً. وأركانه: ترانزيتير وجمركي، ومستورد يريد التهرّب من دفع الضريبة. فبعد أن ينظّم مخلّص البضائع المرَخّص بياناً جمركيّا يشمل تفاصيل الشحنة من مُصدّر ومستورد ومنشأ البضاعة وعدد الطرود وبند جمركي، ويرفق معه نسخة عن الفاتورة الصادرة عن المنشأ ولائحة التوضيب وبوليصة الشحن ومستندات تسجيل الشركة، يحضر إلى “العنبر 19” حيث يقدّم البيان الجمركي الى موظف القبول في دائرة الاستيراد والتصدير”، الذي يدقّق في الملف للتأكّد من صحّة المعلومات الواردة فيه. فإذا كانت المعلومات صحيحة، “يصفّي” البيان الذي يسلك عشوائياً إمّا المسار الأخضر وإمّا الأحمر. فتخضع البضاعة التي تسلك المسار الأحمر لعملية الكشف، أمّا تلك التي تسلك الأخضر فتُعفى من التفتيش، وتخرج من المرفأ تلقائيّاً، بعد دفع الرسوم.

المال هو المحور. المبالغ تُدفع من كلّ الجهات، والموظفون يقبضون بلا سبب، مدّعين السرّية. فلا تُنجز أية معاملة دون رشوة. حتى يُخيّل للمراقب أنّ الجميع يهرّب بضائعه بطريقة غير شرعية، في الوقت الذي لا يمكن لأيٍّ كان إنجاز أيّة معاملة، قانونية كانت أو غير قانونية، من دون دفع المال. ففي جميع الحالات، الموظّفون يقبضون.

«الخوّة»

وفي هذا السياق، أكّد أحد المراقبين العاملين في المرفأ، أنّ “تلك الإيرادات اليومية “البرّانية” قد تصل إلى مبالغ هائلة، نتيجة الخوّة المفروضة التي إذا احتسبت تراكميّاً قد تصل إلى 10 آلاف ليرة على كلّ مستوعب”، ولفت إلى أنه “استناداً إلى بيانات وزارة الأشغال نفسها، فعلى سبيل المثال، عالج المرفأ في العام الماضي مليون مستوعب، وبالتالي إذا اعتمدنا التقديرات الأعلى للمراقبين، فإنّ القيمة الإجمالية للخوّات سنويّاً قد تصل إلى 10 مليارات ليرة!”.

ولأنّ الحديث عن هذه الأمور لا يكفي لنقل حقيقة ما يحصل داخل المرفأ، قصدت “الجمهورية” أحد المخلّصين الجمركيّين بحجّة شحن أجهزة تلفزة من الصين، وإمكانية إعفائها من الرسوم الجمركية. فردّ المخلّص: “المسألة بسيطة، ويتوجّب على الشركة أن تصرّح على “المانيفيست” أو بوليصة الشحن تسمية “شاشات كمبيوتر” بدل “أجهزة تلفزة”، لأنّ شاشات الكمبيوتر معفيّة من الرسوم، على عكس أجهزة التلفزة التي تخضع لـ 5% من الرسوم”. وأضاف: “كما أنّ المسألة تتطلّب دفع “خوّات”، لافتاً إلى أنّ “كلفة هذه العملية هي “مقطوعة” وقدرُها 12 ألف دولار. وهذا المبلغ يشمل ضمناً بدل الرسوم الجمركية، وضريبة القيمة المضافة ورشوة الجمركيين المعنيين وحصّة مخلّص المعاملات”.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ كلفة إنجاز هذه المعاملة بالطرق القانونية تُقدّر بـ 27 ألف دولار. وكلّ ذلك يعني ضياع عشرات ملايين الليرات على الخزينة العامة. هذه الإجراءات، على حدّ قول عاملين في الميناء، تستخدمها شركات كبرى، وذات أسماء لامعة، كما صغار المستوردين، تهرّباً من الرسوم الجمركية المرتفعة. إلّا أنّه لا يزال هناك من يعتمدون الإجراءات القانونية، ويدفعون رسومهم الجمركية كاملةً، وضريبةَ القيمة المضافة كما هي، لكنّ هؤلاء قِلّة، ويُشار إليهم بالأصابع في لبنان.

كما أنّ لـ”المخلّصين الجمركيّين” شركاءَ من الجمارك في المرفأ، من مفتشين ورؤساء تفتيش، وصولاً إلى بعض مَن في الإدارة. حتى إنّهم أحياناً يلجأون إلى شركاء خارج المرفأ أيضاً، وتحديداً في أمانات السجِل التجاري. و”سكّة” الفساد قد تتخطّى أحيانا الاستيراد والتصدير، بـ”إعادة التصدير”. فمن يستورد إلى لبنان أجهزة تلفزة مثلاً، يدفع رسومها الجمركية وضريبة القيمة المضافة. وإذا أعاد تصديرها، يستردّ من وزارة المال ما دفعه من ضريبة. الإجراء حتى الآن قانونيّ وطبيعي، لكنّ بعض التجّار يستغلّون هذا الأمر لتحصيل مبالغ ماليّة طائلة، من دون وجه حق. فأجهزة التلفاز ذاتها تُسجّل في خانة إعادة التصدير. ومجدّداً، بواسطة مخلّص “شاطر”، وجمركيّ مُرتشٍ، إذا بالمستوعب يحوي، بدلاً من أجهزة التلفاز، بطاطا منتجة في البقاع. تتمّ العملية، انطلاقاً من العنبر الرقم 6، ويستردّ التاجر من الخزينة نسبة الـ 10 في المئة التي سبق أن دفعها ضريبة على القيمة المضافة. أمّا الأجهزة فتُباع في السوق اللبنانية، ويستوفي التاجر من زبائنه بدل القيمة المضافة مجدّداً، ليبدأ نهاره بنسبة ربح غير مشروع تبلغ 20 في المئة من قيمة السلعة، من دون حساب هامش ربحه المعتاد.

صحيح أنّ في مرفأ بيروت “سكانر”، وهي عبارة عن ماكينة متطوّرة لمسح المستوعبات التي تسلك المسار الأحمر، وتكشف ما في داخلها من دون الحاجة إلى فتحها، لكنّها لطالما كانت “معطّلة”، ما يعطّل مراقبة البضائع وإمكانية تهريب بضائع وأسلحة. فالعصابات في المرفأ لها سلطة أقوى من سلطة الحكومة.

من شرّع «الإكراميّات»

يبدو أنّ الرشوة باتت، وللأسف، تُعتبر أمراً بديهياً ومعروفاً في سائر الدوائر الرسمية، فالموظف تجده لا يتحرّك إلّا إذا وعدته بمنفعة مادّية أو معنوية. فعلى الرغم من المادة 351 من قانون العقوبات اللبناني والتي تحرّم الرشاوى والإكراميات، وتنصّ على أنّ “كلّ موظف وكلّ شخص انتُدب إلى خدمة عامّة، سواءٌ بالانتخاب أو بالتعيين، وكلّ امرئ كُلّف مهمة رسمية كالحكم والخبير والسنديك، والتمسَ أو قبل لنفسه أو لغيره هديّة أو وعداً أو أيّ منفعة أخرى ليقوم بعمل شرعيّ من أعمال وظيفته، عوقِب بالحبس من ثلاثة أشهر حتى ثلاث سنوات “. إلّا أنّ المسألة المثيرة جداً للاستغراب والتساؤلات، تكمن في الإجراءات التي اتّخذتها اللجنة الفرعية المكلّفة تقديم الاقتراحات لتسهيل معاملات تصدير البضائع عبر مرفأ بيروت وتخفيض كلفتها، والتي شكّلها وزراء المالية والاقتصاد والصناعة عام 2005، والتي انبثق عنها الجدول التالي الذي، إلى جانب تعرفة المصاريف الرسمية، يحدّد أيضاً المصاريف غير الرسمية (أو الإكراميات) بشكل علنيّ وصريح، وذلك في إطار تسهيل عمليّات التصدير على التاجر: (جدول رقم 1)

وهنا نسأل: متى شرّع القانون اللبناني الإكراميات والرشاوى؟ ومنذ متى يحقّ لوزراء في الحكومة الاعتراف بالإكراميات والمصاريف غير الرسمية بشكل رسميّ وعلنيّ؟ ألم يكن من الأجدر رفع رواتب هؤلاء، عوضاً عن تشريع الرشاوى؟

«الحزب» حاضر أيضاً

إلّا أنّ “التوصيف الأبرز والأكثر إثارة للتساؤلات، بحسب مصدرٍ متابع، هو ذاك الذي يعتمده وزير النقل والأشغال العامة غازي العريضي، العارف بخبايا هذه الممارسات، والذي أثار هذا الموضوع الخطير في مجلس الوزراء، بناءً على معلومات مؤكّدة من وزراء مختصّين، من دون أن يكون هناك أيّ تعليق لا من قريب ولا من بعيد، ما يؤكّد أنّ ثمّة من يصادر أو يضع يده على مبلغ بقيمة مليار دولار في مرفأ بيروت”. وأعاد المصدر سبب عدم تحرّك القضاء في هذا الملف إلى “غياب الدولة”، وكشف عن أنّ “حزباً بارزاً” يعتبر أنّ المرفأ والمطار يخصّانه، يمرّر عبرهما ما يشاء من مستوعبات من دون أن تخضع إلى التفتيش والرقابة الجمركية، وحتى من دون أن تدفع عنها الرسوم الجمركية المتوجّبة. وخير دليل على ذلك ملفّ الأدوية المزوّرة التي تمّ إدخالها إلى لبنان، ولم يوقف القضاء أحداً في هذا الموضوع. ومن المؤكّد أنّ الحزب يقوم بحماية المتهمين بالقضية”، محمّلاً “الحكومة اللبنانية المسؤولية عن التقصير في ضبط المرافئ البحرية والبرّية والجوّية. واليوم الحكومة “تنأى بنفسها” عن كلّ الفضائح والمشاكل التي نواجهها والتي يُكشف عنها يوماً بعد يوم”.

وفي هذا الإطار، تحدّث عاملون في المرفأ ومُطّلعون على شؤونه، عن “التنافس الحاصل بين المخلّصين الجمركيّين”. وغالباً ما يسعى المفسدون منهم إلى إبعاد من يعملون وفقاً للقانون، على قلّتهم. فهؤلاء يحظون بحماياتٍ سياسية، ومعروفون في الأوساط الأمنية والإدارات الرسمية.

… ويطول الإنتظار

إلى المديرية العامة للجمارك التي لا تزال بدورها تضجّ بملفّات الفساد. في صالون الانتظار، ولأكثر من 4 ساعات، جلس الرجل الأربعينيّ منير ح. بانتظار تحنّن الخفير عليه واستدعائه للدخول إلى مكتب الموظف المختصّ، بعد أن كان قد ملأ الاستمارة ووضع عليها طوابع ماليّة بقيمة ألف ليرة، بهدف الحصول على الموافقة لإدخال سيّارة إماراتية مؤقّتاً إلى البلد. وطال الانتظار. وفي كل مرّة كان يسأل منير الخفير عن موعده، يدعوه هذا الأخير الى الانتظار، فيعود ليجلس متذمّراً. وفجأة، وصل شخص جديد واستدعى الخفير إلى خارج المكتب، حيث همس في أذنه بعض الكلمات ووضع في يده مبلغاً وقدره 5 آلاف ليرة، الأمر الذي حال دون انتظاره في الصالون، بل دخل إلى القلم لتسجيل معاملته وانصرف في غضون 10 دقائق. وعلى الاثر، فهم منير اللعبة، واقترب من الخفير بكلّ ثقة مصافحاً إيّاه ودسّ بيده المبلغ المذكور، ليتغيّر سلوك الخفير تجاهه فجأة، ويسارع إلى مرافقته مباشرة الى القلم، حيث سجّل السيارة لدى الموظف المختصّ الذي أعطاه رقم التسجيل وطلب منه العودة بعد أسبوع. إلّا أنّ الخفير عاد ونصحه برشوة المراقب في الغرفة الثانية بمبلغ قدرُه 50 ألف ليرة لبنانية، الأمر الذي سمح له بإنجاز المعاملة في اليوم التالي.

وفي المحصّلة، يبدو أنّ كل ما يُحكى عن المطار يكاد لا يساوي نقطة في بحر المرفأ. الأمر الذي يستدعي تدخّلاً صارماً من قِبل الدولة اللبنانية لاتّخاذ الإجراءات اللازمة والحازمة في هذا الملف، من دون الاكتفاء بالتطاول على الموظفين الصغار الساعين إلى تأمين لقمة عيشهم فيكونوا كبش محرقة، في بلد يبعد يوماً بعد يوم عن جادة الصواب، ما يتطلّب إرادة سياسية، وقراراً سياسياً وطنياً جدّياً لتسوية كلّ هذه الأمور، لا أن يغطي السياسيّون مثل هذه المخالفات الفاضحة ويكونوا رأس الهرم فيها. لأنّ أيّ مبالغ مالية تخسرها الدولة يخسرها المواطنون أيضاً، ولا يجب السكوت عن هذا الأمر.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل