Site icon Lebanese Forces Official Website

25 تشرين… ميلاد قائد إستثنائي

25 تشرين الأول تاريخ ميلاد قائد من بلادي… فلا يسعنا إلّا أن نبدأ بشكر الهنا وربنا ومخلصنا على وقوفه معنا في كل الأوقات، وعونه لنا لمواجهة الصعاب التي مررنا بها، ولا نزال، ونحن دائماً وأبداً عليه مُتَّكِلون.

من النِعَم التي وهبَنا إياها، في زمن الضياع والحاجة لمن يستلم زمام الأمور، ومن حيث لم يكن أحد يدري، ظهر رجل إسمه سمير جعجع، يعرفه القليلون ويجهله الكثيرون، ليقف ويقول: الأمر لي.

هذا المقال هو للإضاءة على جانب بسيط من شخصية هذا القائد والصفات التي يتمتع بها، وهو موجه للقريبين الذين لم يتسن لهم معرفته عن قرب، والبعيدين الذين لا يعرفون عنه أي شيء، والذين في المقلب الآخر ليقارنوا بينه وبين مَن عندهم، ولمن يراودهم الشك والتردد ليروا الفرق، ولمن يرون أنفسهم بحجم الفِيَلة وهم بقياس نملة، ليدركوا كم هو صعب التشبه به أو الحلول مكانه.

ولكي لا يؤخذ الكلام على أنه نوع من المديح والتبجيل، وبناءً على تجربة شخصية ومسيرة طويلة مع هذا القائد المُميز والتي أفتخر وأعتز بها، سأضيء على بعض الصفات التي ساهمت بشكل كبير في جعله من أهم الشخصيات التي مرّت على لبنان وكان لها التأثير الكبير على مُجريات الحوادث فيه.

منذ بداية الحرب التي أجبرته على ترك اختصاصه في الطب في سنته الأخيرة، وحتى نهايتها، كان دائم الحضور على جبهات القتال وفي قلب المعارك لقيادة العسكر من الخطوط الأمامية والقتال معهم جنباً الى جنب، وهو ما ساهم كثيراً في تعلق رفاقه به وأكسبه القدرة على القيادة والتأثير في الآخرين لما يتمتع به من شجاعة وإقدام وإستعداد للتضحية.

منذ أن استلم قيادة “القوات اللبنانية” في منتصف الثمانينات، بدأ بعملية إعادة تأهيل وكودرة القوات التي كانت مشتتة وفي ضياع تام بين محاور واستراتيجيات عدّة. خلال سنتين فقط، أصبحت “القوات اللبنانية” من أهم التنظيمات التي كانت تضم أهم المؤسسات المدنية والعسكرية التي حلَت محل مؤسسات الدولة الغائبة، وأصبحت بكل جدارة، “مؤسسة نحو المستقبل”.

من أهم المشاريع التي قامت بها “القوات”، انشاء المؤسسات الاجتماعية وأهمها التضامن الاجتماعي التعاضد الصحي والنقل المشترك… وغيرها، التي كانت تُعنى بحاجات المواطنين من كافة الانتمائات الذين كانوا يستفيدون من التقديمات الاجتماعية والغذائية والطبية (اهمها عشرات عمليات القلب المفتوح ذات الكلفة العالية جداً)، وما زالت هذه التقديمات تشكل القسم الأكبر من مصاريفها حتى اليوم.

خلال تلك الفترة، باشرت “القوات” ببناء مئات الوحدات السكنية التي تَمَ بيعها الى عائلات قواتية بسعر الكلفة وبالتقسيط، من دون أن يفكر سمير جعحع بأن يحصل على منزل أسوة بهم، ما إضطر زوجته بعد توقيفه سنة 1994، للبحث لأسابيع عدّة حتى وجدت المنزل الكائن قرب يسوع الملك في زوق مصبح، وتم استئجاره بصعوبة من أحد أقارب أقارب أقارب أقاربها. بينما العادة والطبيعي في هذا البلد، أن ينهب المسؤول جيوب الناس والأتباع ليعيش برخاء وبحبوحة.

عندما هبت عواصف الحقد والانتقام على “القوات”، أبى إلا أن يواجه باللحم الحي مثله مثل رفاقه. وبما أن لكل واحد صليب على قياسه، فقد حمل صليبه الكبير جداً، وهو الذي كان متكلاً عليه أولاً وأخيراً، فدخل بمشيئته نار جحيم العذاب والقهر والظلم، صمد بقوته في وجه الحقد والطغاة، وخرج ذهباً نقياً لامعاً ومنتصراً. وكلنا نعرف كم من المسؤولين فضّلوا الهرب وعدم المواجهة عندما شعروا بالخطر، للحفاظ على أرواحهم ومكتسباتهم وثرواتهم التي جمعوها من عرق وتعب الناس.

حتى في زنزانة وزارة الدفاع، وعندما كان يَتَعرف علينا من أصواتنا، كان يحاول أن يقوي معنوياتنا ويشد عزيمتنا، وقد ذكر ذلك في سياق روايته لقصة النضال السري لمجلة “المسيرة”. كما أن كل من زاره في ذاك المُعتقل، خرج مندهشاً من صلابته وتماسكه وتصميمه على المواجهة، ولو من تحت سابع أرض. جدير بالذكر أن عدد من الشخصيات، وبينهم نواب ووزراء، أُدخلوا سجن وزارة الدفاع في تلك الفترة وبظروف لا تُقارن، ولم يصمدوا فيه أكثر من 24 ساعة، مما اضطر المعنيين لنقلهم الى المستشفيات بعد انهيارهم.

هذا هو القائد الذي نريده ونعتز ونفتخر به ونأتمنه على مُستقبلنا ومستقبل أولادنا.

قائد يعيش مع رفاقه، يقاتل معهم، يأكل معهم، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، يخاف عليهم وعلى مجتمعه، ولا يوفر أي شيء للحؤول دون زج هذا المجتمع في مغامرات بائسة ومُكلفة ومُدمرة.

قائد يقف مستقيماً كالرمح لا يحيد قيد انملة عن مبادئه مهما كثرت الاغراءات والتهديدات ومهما اشتدت الأخطار واقتربت. همه الأول والأخير الحفاظ على قيمة الانسان في كل مكان وزمان وهو المخلوق على صورة الله ومثاله.

سمير جعجع، نقول لك في عيد ميلادك، أنت القدوة لنا في إخلاصك والتزامك وشجاعتك وصدقك وتهذيبك، والأهم، بتضحياتك. لقد تعلمنا منك الكثير وما زال ينقصنا الكثير الكثير.

حماك الله لنا ولوطننا، لأن الأوطان لا يُمكن أن تُبنى إلّا برجال من طينة الرجال وليس بأشباه الرجال.

Exit mobile version