
كتب عباس الصباغ في صحيفة “النهار”:
لم توفّر مخالفات البناء منطقة في لبنان ووصلت الى العاصمة بعد أقل من شهر على بدء تنفيذ قرار وزارة الداخلية بكف يد القوى الأمنية عن ملاحقة مخالفات البناء وترك الأمر للبلديات، على أن تلبي القوى الأمنية طلب البلديات في حال الضرورة.
هذا القرار شجع البعض في الشمال والبقاع وصولاً الى بيروت في الشروع في إضافة وحدات سكنية الى منازلهم وبناء وحدات جديدة والتذرّع بالضائقة الاقتصادية وعدم القدرة على شراء عقار أو حتى استئجاره. وعلى الطريقة اللبنانية بدأ بعض سكان حي التنك في وطى المصيطبة بناء بعض الغرف فوق منازلهم التي لا تستوفي أصلاً شروط السلامة العامة، وبسرعة لافتة انتقلت العدوى واجتاحت الحي وسط إصرار الأهالي على الاستمرار في البناء غير المشروع ومنع القوى الأمنية من هدم ما بني. وقد لجأوا الى الاعتصام مراراً واستظلال العباءة السياسية والدينية أحياناً للحد من “إصرار الدولة على فرض سيادتها”. لكن الأهالي سألوا عن دور الدولة في مناطق أخرى اجتاحها البناء غير المشروع، مثل الاوزاعي والليلكي ومنطقة الزهراني وحي يارين، وصولاً الى البقاع والشمال.
“لماذا تركونا نبني؟”
خلف المتاجر الصغيرة على الطريق الذي يصل الكولا بوطى المصيطبة، يتجمع عدد من الشبان، بينهم المسؤول السابق عن فرع الحزب التقدمي الاشتراكي في وطى المصيطبة ركان أبو مجاهد الذي يعتبر أن “الخطأ بدأ مع غض الأجهزة الأمنية النظر عن بعض المخالفات مما شجع الآخرين على المخالفة. ما حصل ان القوى الامنية تركت الناس تبني وتتكبد خسائر ثم قامت بإزالتها”.
ويوضح المسؤول عن منطقة بيروت في الحزب التقدمي نشأت أبو كروم لـ”النهار” قرار الحزب والنائب وليد جنبلاط بـ”الوقوف الى جانب خيار الدولة وعدم تغطية المخالفين. ولو استمر البناء غير المشروع لتشوهت بيروت أكثر”. ويلفت الى “ان معظم الذين شرعوا في البناء كانوا يتوخون الربح على رغم وجود حالات خلاف ذلك وهناك من كان يبني بهدف السكن”. ولا ينكر المسؤول الاشتراكي ان ما حدث قد يكون أظهر الحاجة الى إعادة ترميم العلاقة بين الحزب وبعض جمهوره.
أما الذين تكبدوا خسائر جراء البناء غير المشروع فيسألون عن سبب تركهم يبنون هذه الغرف أو المحال، ويحملون عتباً على جنبلاط لأنهم اعتقدوا أنه سيغطيهم على غرار بعض قادة الأحزاب في المناطق الأخرى التي وقفت بجانب جماهيرها ولم تتركها، وإن كانت تصرح بخلاف ذلك”.
أما مختار وطى المصيطبة رفعت الزهيري فيرفض الحديث عن الأمر، ويكتفي بالقول “في فمي ماء، ولا أريد أن أعلّق حالياً عما جرى في المنطقة”.
وليس بعيداً عن مكتب المختار تبدو آثار الهدم التي أنجزتها القوى الأمنية وشملت نحو 25 من الوحدات السكنية والتجارية، علماً أن القوى الأمنية قامت بمهمتها من دون إشكالات تذكر باستثناء المواجهة مع الأهالي السبت الفائت فيما الدولة كانت منشغلة بمتابعة تحرير المخطوفين من إعزاز مما ساهم في عدم تسليط الأضواء على تلك المواجهات. في النتيجة أظهرت الدولة هيبتها في وطى المصيطبة بدءاً من حي التنك الى آخر المنطقة.
يذكر أن المخالفات في حي التنك قليلة، وهو أصلاً حي فقير ومعظم المنازل فيه عبارة عن غرف لم تعرف الإسمنت بل هي مسقوفة بألواح “الزينكو”. مشهد استثمرته الدولة لممارسة سلطتها بعدما تأكدت من غياب الغطاء السياسي والحزبي لمخالفين استدانوا أموالا ليبنوا غرفاً على أرض الغير.