في متحف بوشكين في موسكو ، لوحة شهيرة للرسام الهولندي فنسنت فان غوغ اسمها ” حلقة السجناء “. ويظهر فيها بضع عشرات من السجناء وهم يدورون في باحة داخلية ، مشكِّلين دائرة كاملة بين الجدران الحجرية العالية تحت أنظار الحرّاس.
إنها حلقة أو دائرة أو دورة لا معنى لها ولا هدف لها إلا إلهاء السجناء وإذلالهم وإتعابهم ، كي لا يُشغلوا عقولهم وأجسادهم بأمور أخرى ، وكي يترسّخ لديهم شعور ” اللامنفعة “!
يقول الفيلسوف الألماني يوهان غوتليب فيخته : ” ليس هناك أي مخلّص أو أي ضغط خارجي يمكنه توفير الحرية . الحرية لا يمكن أن تأتي إلا من أعماق إرادتنا المجاهدة ” .
ما أسلفته قد أسلفته ، كي أذكّر البعض بأن الحرية كالمياه الجارية يصعب إيقافها ، وإن حُصِرت لا بد أن تفيض أو تتسرّب ، وإن لم تتسرب لا بد أن تتبخّر . ولذلك ، النضال من أجل الحرية قد يتخذ أشكالاً مختلفة ، لكنه في نهاية المطاف سيبلغ مبلغه .
في لبنان ، يريد الحزب المهيمن إفراغ الدولة من معناها ، والوطن من معناه ، واللبنانيين من معنى انتمائهم . يريد أن يدور الجميع في حلقات مقفلة ، حتى يستسلموا للواقع لأن لا خلاص !
وهذا هو المقصد من الشلل النيابي ومن الفراغ الحكومي ومن إلهاء الجيش والقوى الأمنية وتشتيت عديدها وقدراتها .
المقصد هو ترسيخ عبوديّة الفراغ ، باعتبار أن كل حركة تناقض الفراغ تعني إثارة المشاكل ، ولذلك الفراغ يبقى ” نص مصيبة ” !
على ان الجانب الأخطر لهذا الواقع ، هو غسل الدماغ الجماعي الذي تتعرض له شرائح من اللبنانيين بهدف تعطيل المنطق والتفكير وردات الفعل لديهم ، حتى يصبحوا مجرد جمهور مأخوذ إلى حيث يريد المرشد أو القائد أو الحزب .
حزب الله عندنا يتقن هذه اللعبة ، والمؤسف أن مفاعيلها تنسحب على جمهور خارج دائرة جمهوره ” الخاص ناص ” والمسمى بأشرف الناس .
فثمة مسيحيون مأخوذون بهذه اللعبة ويسقطونها تلقائياً ، إما على السيد وإما على الجنرال …
إنها لعبة مارسها هتلر على شعبه ، فقاد شعبه وبلده وجيشه إلى الكارثة والهزيمة المذلة .
فحذار ، حذار الهوس والهذيان والهروب من الواقع . إنها ” هاءات ” ثلاث تقود إلى ” هاء ” رابعة : الهلاك ! السلام .
