في كواليس التجديد للجان النيابية، محاولات لإحياء الحدّ الأدنى من العمل التشريعي الذي يُفترض حصوله في ظلّ حكومة مستقيلة. هذه المحاولات يقوم بها الرئيس فؤاد السنيورة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، لكنها تصطدم بالقرار الكبير الذي يعطل الحياة السياسية. بري يستطيب لقاء السنيورة والأخير لا يجد ضيراً من تكرار اللقاء، لكنهما يعرفان أن الخروج من الأزمة لا يمكن أن يكون على طريقة ضخ المخدّر، او محاولة فكفكة عقد هذا الملف أو ذاك، فالجميع يوجه الانظار الى الحوار الايراني ـ الاميركي، والى حركة المملكة العربية السعودية في المنطقة، لتلمّس الإتجاه.
حاول بري في جلسة الأمس المناورة على خصومه. رمى لهم طعماً لتفادي أزمة جدول أعمال الجلسة الاشتراعية مفاده القبول بتعديل عضوية مكتب المجلس، لكي ينعقد ويقرّر هو جدول أعمال الجلسة بمشاريع قوانين طارئة، في ظلّ حكومة تصريف الأعمال. لعب رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي دوراً في الوساطة. حمل اقتراح بري بتبديل عضويّة النائبين أحمد فتفت وانطوان زهرا في عضويّة مكتب المجلس، فوافقت قوى 14 آذار فوراً، لكنّ بري رفض مصححاً اقتراحه الاساسي بأنه يعني تبديل فتفت وزهرا بنائب في كتلة “التغيير والاصلاح” النائب ميشال عون، وبالتالي سقط الاقتراح، وبقي القديم على قدمه.
بعد هذه “البروفة” الفاشلة بات فريق 14 آذار يرى أنّ هوامش الحركة بالنسبة الى بري ضيقة جداً، وأنّ لا قدرة على إطلاق أيّ مبادرة لتحريك الجمود القائم، لا بالنسبة الى استئناف عمل مجلس النواب، ولا بالنسبة الى تأليف الحكومة.
تبعاً لذلك فإنّ استئناف اللقاءات بين بري والسنيورة سيكون مجرد حلقات للتشاور، بهدف عدم انقطاع خيوط التواصل لا أكثر، خصوصاً أنّ الخلاف على تأليف الحكومة بات كبيراً إلى درجة يمكن معها القول إنّ لا حكومة في الأفق، في ظلّ تشدّد “حزب الله” وفريق 8 آذار، وفي ظلّ شعور هذا الفريق بأنّ الحوار الإيراني ـ الأميركي، سيؤدي الى تغيير المعادلة في المنطقة، لمصلحة محور الممانعة، لأنّ نتائج هذا الحوار ستكرّس دور إيران كقوة إقليمية كبرى، وستعيد رسم التوازنات على أساس تعزيز دور إيران في العراق وسوريا ولبنان، وكلّ ذلك سيؤدي لبنانياً إلى رضوخ فريق 14 آذار لمطالب “حزب الله” في الحكومة وفي غيرها من الملفات.
في موضوع الحكومة، وفي ظلّ تصعيد حزب الله شروطه، تبدو اللعبة اكثر تعقيداً. فرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والرئيس المكلف تأليف الحكومة تمام سلام عالقان، في نفق طويل، لن يترك لهما خياراً في النهاية إلّا تأليف حكومة أمر واقع. يسير سليمان وسلام في هذا الاتجاه، لكنهما يستنفدان الوقت الكامل، ويعانيان في الوقت نفسه، خصوصاً سلام، من تقلّب رئيس “جبهة النضال الوطني” النائب وليد جنبلاط في مواقفه. لا يستطيع الرئيس المكلف السير في أجندة جنبلاط، وفي الوقت نفسه لا يستطيع تأليف حكومة من دونه. في ثوابت سلام المعلنة، عدم السير في حكومة الثلث المعطل، وفي الثوابت غير المعلنة تعهد بعدم تأليف حكومة لا يرضى عنها الرئيس سعد الحريري، ولا يوقعها سليمان. هذا الاستعصاء يضع سلام في موقف صعب ولا يعطي جواباً حول توقيت وطريقة تأليف الحكومة، ويعزّز مخاطر الذهاب الى الفراغ الشامل.