على عادة “التفكير الرغائبي”wishful thinking ) ( ، يسعى فريق النظام السوري ، بوجهه اللبناني ( 8 آذار وملحقاته ) ، وبقفاه الإيراني ( الحرس الثوري وفيلق القدس ومليشياتهما العراقيّة واللبنانيّة )، إلى الترويج للجوائز التي سيحصل عليها ويوزّعها على “المنتصرين” .
لم يعُدْ هذا الفريق “المنتصر” يستطيع كتم ابتهاجه بما يعتبره “إنجازات” : صمود النظام بل صعوده ، تقدّم العلاقة الأميركيّة الإيرانيّة على حساب المملكة العربيّة السعوديّة ، بوادر انكفاء تركيّا ومصر وبعض الخليج نحو الصين وروسيّا ، إضافةً إلى ارتباك العلاقة الأميركيّة الأوروبيّة على خلفيّة التنصّت والتجسّس.
بل يذهبون أبعد في فلسفة انتصارهم بالقول إنّ الأسلحة الكيميائيّة كانت عبئاً على النظام وعلى إسرائيل فجاء من يحرّرهما منها مشكوراً ، وإنّ الغرب بات مقتنعاً بضرورة بقاء النظام لمواجهة “الإرهاب” .
في واجهة المشهد ، تبدو قراءة “الممانعين” صحيحة . فهم الآن في موقع المراهن الرابح في ميدان السباق العسكري والسياسي، يجلسون على منصّة الرهان متلهّفين لصدور النتائج .
لكنّ المسألة تكمن في اتجاهَيْن : مَنْ الذي يدفع ثمن الجوائز، ومَنْ الذي يقبضها .
مع تدقيق أعمق في خلفيّة المشهد ، وليس في واجهته ، يتبيّن أنّ مموّل الجوائز هو مَنْ يتوهّم نيلها ، وأنّ من سيحصدها هو خصمه ، بل المفترض أنّه “عدوّه” في لعبة “الممانعة والمقاومة” .
في الثمن الشكلي أوّلاً ، سيخسر هؤلاء لقبهم المفضّل “جبهة الممانعة والمقاومة” بعد انهيار كل ما نسجوه حولها من هالة وأساطير . مَنْ يمانعونه أصبح في صدر الدار ، مع الجائزة الكبرى لتحويله مجرى “المقاومة” عنه نحو الشمال لبنانيّاً وسوريّاً ، ونجاحه في كشف “أعدائه” على حقيقتهم . فما هو مبرّر تسمية “مقاومة وممانعة” بعد كل هذا الإنكشاف ، وهل في استطاعتهم العودة إلى لعبة مواجهته ساعة يشاؤون؟
وفي الأساس ، وإذا صحّ ونجح الإتجاه الإيجابي للعلاقة بين طهران وواشنطن ، فأيّ صيغة لإيران ستستمر، وماذا يبقى من هذه “الأسطورة الثوريّة الإسلاميّة” المنسوجة منذ ثلاثة عقود ونصف ، وأيّ عقيدة ستصمد بتحالفها مع “الشيطان الأكبر” ، وأيّ سلوك سياسي واقتصادي وعسكري وثقافي وإجتماعي ستجد نفسها مقودة إليه ؟ هل تكتفي بسلوك إعلامي إستعراضي عدائي فوق سطح وفاقي ؟!
الأكيد أنّ أميركا لن تغيّر نمط حياتها وثقافتها واقتصادها ، وغير مرشّحة ، في المدى المنظور على الأقلّ ، للسقوط عسكريّاً ، أو لسقوط نفوذها في العالم بالضربة القاضية . هناك طرف محكوم بالتغيير العضوي وليس الشكلي ، بل بثورة على الثورة ، ثورة “نائمة” الآن لكنّ إرهاصاتها موجودة بقوّة في النسيج الإيراني. وفي هذه الحال ، يجوز السؤال : من سيقبض الجائزة فعلاً ؟
وفي سوريّا ، ما يحسبه النظام انتصاراً ليس سوى اليقظة التي تسبق الموت . العالم غير راغب في إعادة إحياء أو إنتاج تجربة سقطت . سوريّا متجهة إلى التغيير التاريخي الحتمي ، و”جنيف 2″ يكمّل “جنيف 1” على قاعدة التخلّي عن الأسد ، وقد مهّد “أصدقاء سوريّا” لهذا الإتجاه في لندن . فلا الأسلحة والفرق الإيرانيّة ، ولا الثقل الدبلوماسي الروسي ، ولا التلويح بحسم معركة هنا أو هناك ، ولا “ظهورات” الأسد الترويجيّة تُحيي “العظام وهي رميم” .
وما يثير الأسف في لبنان ، أنّ المتعلّقين بأهداب هذا النظام ، ينتظرون تسلّم جوائزهم ، في طرابلس ، أو عرسال ، أو بيروت ، أو حكومة ومجلس و.. رئاسة ، وتحت ثلاثيّاتهم ومثالثاتهم ، وكأنّ عهد رستم غزاله عائد زائد مملوك !
قليل من التروّي يبيّن لهؤلاء أنّ كبارهم يدفعون أثمان الجوائز ولا ينالونها ، فكيف تكون حال الصغار !
وما يصحّ على إيران وسوريّا ينسحب عليهم . والسؤال البسيط هو : إذا نجحت فعلاً هذه الصفقات والتسويات ماذا يبقى من شعارات “حزب الله” ووعوده وعهوده ، وأيّ نمط حياة منغلقة ومعسكرة يستطيع أن يستمرّ فيه ، وأيّ مبرّر لسلاحه سيصمد ، وأيّ قدرة ستبقى له للربض على نواصي الدولة ؟!
بات من مصلحة لبنان أن ينتصر هؤلاء مثل هذه “الإنتصارات” ، كي تسقط شروطهم في وجه الحكم والحكومة ، وتتهاوى عناوينهم ، فيقتنعوا بدولة سويّة ، ويعيدوا رشدهم إلى رؤوسهم وأيديهم إلى جيوبهم .
كثيراً ما بلغت أسماع الناس أخبار انتصارات وهزائم ، ليتبيّن بعد انقشاع الغبار أنّ النتائج معكوسة .
وكثيراً ما رقص مهزومون في أعراس المنتصرين !