#adsense

المسلمون بدون المسيحيين.. ليسوا وطنيين ولا عربا..

حجم الخط
 

ستبقى سوريا ولأسابيع طويلة في صدارة الإهتمام الإقليمي والدولي والشعبي.. لأنّ كيماوي الغوطة كان يومًا له ما بعده.. وكنا قد توقفنا معاً في الأسابيع الماضية عند كلّ ما استطعنا أن نتابعه.. بدءاً من الحديث عن الضربة لسوريا.. مروراً بقمة العشرين.. وصولاً إلى الكونغرس والبرلمانات الدولية.. إلى الإجتماعات الثنائية.. إلى جنيف.. إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن والقرار الدولي.. مروراً بالمناخات الدولية التفاوضية حول النووي الإيراني في كلّ من نيويورك وجنيف.. ثم الحديث عن جنيف 2 للنووي الإيراني في 7و 8 من تشرين الثاني.. إذ يبدو أنّ هذا المناخ قد تحوّل إلى مسار شديد الإنسياب.. ثم تكرار الحديث في الأيام الماضية عن جنيف 2 السوري في 23 تشرين الثاني أيضاً كموعد مفترض.. وبذلك يكون الكيماوي السوري في الغوطة حقاً له ما بعده.. وأعني بذلك أنّنا سنذكره كثيراً في المستقبل وهو أشبه بنكبة فلسطين.. وهزيمة حزيران.. واحتلال بيروت.. ومجزرة حلبجا.. واحتلال العراق.. وسوف نتحدث كثيراً في السنوات القادمة وخصوصاً الشباب عن هذا الأمر.. وسيُقال بأنّ السوريين قد استخدموا أسلحة الدمار الشامل في نزاعهم الأهلي.. أي أنّهم يرفضون بعضهم بعضاً حتى الإبادة..

لقد شعرت بالذّعر على سوريا وأهلها عندما قرأت عن استعداد النمسا لاستقبال المسيحيين السوريين ومنحهم الجنسية.. وكذلك روسيا.. وهاتان الدولتان موقعتان على إتفاقية متصرفية جبل لبنان 1861.. إذ كانت النمسا ضامنة للكاثوليك.. وروسيا للأورثوذكس.. وبريطانيا للدروز.. وكانت هذه الإتفاقية التي أنتجت متصرفية جبل لبنان إدانة واضحة لدولة الخلافة العثمانية مما يعانيه المسيحيون العرب وغيرهم من إضطهاد في ظل الدولة العثمانية..

ذكّرني ذلك بعرض المبعوث الأميركي على الرئيس اللبناني في بداية الحرب اللبنانية.. إذ عرض على المسيحيين الهجرة إلى كندا وتوطينهم هناك.. وكان رفض المسيحيين لهذا العرض الشرارة الأولى في نزاع طويل أتى على كلّ لبنان أرضاً وشعباً ومؤسسات.. وكذلك أيضاً يذكّرني بإدارة الحاكم الأميركي بريمر للعراق بعد الاحتلال.. وخريطة العراق المقسّمة إلى ثلاث دويلات.. وما لاقاه المسيحيون العراقيون من فتك وتهجير تحت الإدارة الجديدة بعد أن كانوا لقرونٍ طويلة أهل الدار وشركاء حقيقيون لأشقائهم العراقيين في التاريخ والثقافة والفنون والسياسة.. والكلّ يعلم أنّ المسيحيين العراقيين قد اقتُلعوا تماماً من عراق ما بعد الإحتلال.. وكذلك ما حصل في جنوب السودان من تفكيك للهوية السودانية العربية وإقامة دويلة في جنوب السودان على أساس عرقي وديني.. وهذا ما كاد أن يحصل للأقباط في مصر بعد ثورة يناير وبعد ثلاثين يونيو.. أي في الثورة الأولى والثانية.. إذ كان الأقباط ولا يزالون هدفاً واضحاً من أجل تفكيك الهوية الوطنية المصرية وعمقها العربي.. فهاجر من هاجر من المسيحيين الأقباط.. وصمدت الأكثرية منهم وواجهت وتمسّكت بأرضها ووطنها وتجاوزت محنتها وبقيت في وطنها كما فعل الموارنة في لبنان..

نستعيد هذا الشريط الطويل والمأساوي لتنشيط ذاكرتنا بعد أن تعوّدنا على النسيان كونه الدواء الوحيد الذي وجدنا فيه علاجاً لأخطائنا وحماقاتنا وأوجاعنا الطويلة.. وهو أسوأ أنواع المسكّنات لأنّه يفصلنا عن أنفسنا.. حتى بتنا نتحدّث عن مجازرنا وجرائمنا وكأنّها تحدث في عالم بعيد عنّا ونكاد لا نعرفه..

نعم لقد أيقظت عندي دعوة النمسا وروسيا للمسيحيين للهجرة ومنحهم الجنسية مخاوف كبيرة على الهوية العربية المدنية.. وكلّنا يذكر كيف كان الأكراد مكوّن إنساني عظيم في الهوية العربية إلى حدّ أنّ كلّ العرب تقريباً يسمّون أولادهم صلاح تيمّناً بصلاح الدين الأيوبي.. وكيف أنّ أمير الشعراء عند العرب كان أحمد شوقي.. وهو كردي.. وكذلك رمز الوحدة العربية الكبير شكري القوتلي.. وكان كردياً أيضاً.. وكلّ ذلك لم يستطع الصّمود أمام الكيماوي العراقي في حلبجا.. والإبادة الشاملة للعرب الأكراد.. وحرمانهم من الهوية الوطنية السورية..

طبعاً هذه ليست كلّ الذكريات المؤلمة.. إلاّ أنّني أعتقد بأنّها كافية لتنشيط ذاكرتنا وإيقاظ الخوف الشديد الذي يهدّد الهوية العربية وهي سبيلنا الوحيد نحو التّمدن والإزدهار.. وخلاصنا من التفكّك والإنحلال.. وإعادة الإعتبار لهويتنا العربية الجامعة.. فالمسلمون من دون المسيحيين ليسوا عرباً.. والمسيحيون في النمسا هم عرب وليسوا مسيحيين..

وكلّنا يعرف كيف كان حال الذين هاجروا في سفربرلك إلى الأميركيّتين!.. حيث كانوا ينادونهم « تُركوا».. والذين هاجروا فيما بعد.. أي في النصف الثاني من القرن العشرين حتى الآن لا زال الغرب يتعامل معهم.. مسلمين ومسيحيين.. كونهم عربا رغم أنّهم أصبحوا مواطنين أصليين في تلك الدول.. لأنّ العالم ينتمي إلى تاريخه وتجاربه وطموحاته وليس لأديانه في تكوين مواطنيّته.. ونحن بمعنى أوضح لاجئين في أوطانهم حتى ولو اكتسبنا جنسيّتهم..

لقد أرادت إسرائيل في حرب 67 قهر الإرادة العربية المتجدّدة باحتلالها القدس والضفة الغربية.. أصابت العرب في وحدتهم.. والمسلمون منهم في دينهم باحتلال المسجد الأقصى.. وفي شرفهم باحتلال كنيستيّ المهد والقيامة.. لأنّهما كانتا أمانة في أعناق العرب المسلمين.. وسيّان ما بين أن نضيّع ما هو لنا وما هو أمانة عندنا.. بعد أن تعهّد العرب المسلمون بسلامة الحجيج المسيحي وصوْن مقدّسات المسيحيين الذين أودعوهم مفاتيح كنائسهم.. لقد أرادت إسرائيل أن تقول للمسيحيين العرب بأنّنا أعجز من أن نحمي أنفسنا.. وكان لزاماً علينا أن نقدّم ردّ الأمانات على استعادة الحقوق.. وأن نعمل من أجل استعادة كنيستيّ المهد والقيامة أولاً لنؤكّد بأنّ فلسطين هي مهد السيد المسيح عليه السلام.. ولهذا جعلها المسلمون قبلتهم الأولى.. ومنها عرج إلى السماء نبيّنا الكريم.. عليه الصلاة والسلام.. وكان يجب أيضاً ألاّ ننسى رواد العروبة الأوائل وأن لا ننسى المطبعة الأولى وسحرها في تكوين الوعي الحديث الذي أحدثته والجامعة والمدرسة والترجمة.. وكان علينا أن نبقى يقظين.. وكان على المسيحيين ألاّ يُحبَطوا أو يخافوا أو ينكفؤوا رغم الصعوبات التي عرفوها لأنّ كلّ ذلك لا يفيد..

إنّنا الآن مدعوون كعرب.. مسلمين ومسيحيين.. بكلّ طوائفنا ومذاهبنا.. أن ندع ما لله لله.. وما لقيصر لقيصر.. وأن نقف وقفةً صادقةً مع ذاتنا.. ونفكّر بحاضرنا ومستقبلنا.. وأن نخرج من أوهام قوة فريق على الآخر.. أو أكثرية وأقلية.. فالإستقواء على الشريك هو ضعفٌ للشّراكة.. وكنّا قد شاهدنا على مرّ العقود الماضية صعود لكلّ المكوّنات تقريباً.. وانهيار دراماتيكي لكلّ المكوّنات أيضاً.. الأمر الوحيد الذي بقي حاضناً وجامعاً هو هويّتنا الوطنية وهويّتنا العربية.. بما هي مساحات إنسانية حرة لأفرادنا ومجتمعاتنا وتقدّمنا وازدهارنا.. وكلّ ما دون ذلك هو انتحار بأساليب شرعية وغير شرعية..

إنّ الدول العربية الآمنة الآن مدعوّة أكثر من أي وقت مضى أن تعطي لوجود المسيحيين العرب إهتماماً إستثنائياً.. وأن تفتح أبوابها لهم إذا تعثّر وجودهم بأوطانهم.. وإنّ اهتمام هذه الدول في كلّ من سوريا والعراق ولبنان وفلسطين سيكون ناقصاً ومقلقاً إذا غادر المسيحيون هذه الأوطان..

أردت أن أتوقّف أمام دعوة روسيا والنمسا لأنّني وجدت فيها دعوةً إلى تفكيك المجتمع السوري.. وأنّ هذه القضية أخطر بكثير من النزاع المسلّح الذي قد يشهد وقفاً لإطلاق النار.. أو المهجّرين واللاجئين الذين قد يعودون إلى سوريا.. أما إقتلاع المسيحيين وتوطينهم في بلدان أخرى فهو إنتكاسة للمسلمين والمسيحيين معاً وتمزيق للهوية الوطنية وللهوية العربية الجامعة.. فالمسلمون بدون المسيحيين ليسوا وطنيين ولا عربا..

المصدر:
اللواء

خبر عاجل