أما سبب استعادة هذه الآراء حول أهمية التنوع داخل المذهب الواحد والطائفة الواحدة فيعود إلى ما لفتني عند تأملي في لائحة الترشيحات التي قُدِّمَت منذ أشهر قليلة للانتخابات النيابية التي كان يٌفترض إجراؤها في أيار سنة 2013، حيث أظهرت هذه اللائحة الآتي:
قُبِلَت ترشيحات 705 (أشخاص) من كلّ الطوائف والمذاهب لملء 128 مقعداً نيابياً.
وقد ترشح في كل لبنان ما معدله:
6.6 مرشح لكل مقعد كاثوليكي
6.5 مرشح لكل مقعد سني
6.3 مرشح لكل مقعد أرثوذكسي
6.2 مرشح لكل مقعد ماروني
5.2 مرشح لكل مقعد درزي
4.3 مرشح لكل مقعد أرمني
3.6 مرشح لكل مقعد شيعي
في التدقيق أكثر في كل من لائحة الترشيحات لسنة 2013 وفي نتائج انتخابات سنة 2009 تبيّن التالي:
أ- إنّ معدل الترشيحات سنة 2013 لدى الكاثوليك والسنّة والأرثوذكس والموارنة هو متقارب جداً ويتمحور حول رقم 6 مرشحين لكل مقعد، خلافاً لما هو عليه لدى الطائفة الشيعية.
ب- إنّ معدل الترشيحات السنّية سنة 2013 في منطقتَي عكار والضنية المصنّفتين على أنهما خزان مؤيّدي تيار “المستقبل” هو بنسبة 12 مرشحاً للمقعد السنّي الواحد في عكار و 10 في الضنية وهي نسب مرتفعة جداً. إنها نسب تتجاوز بكثير المعدل الوطني العام البالغ 6 مرشحين للمقعد الواحد، وفي ذلك ما يظهر حرية كبرى في الترشّح في عقر دار “البيئة الحاضنة” لتيار “المستقبل” في حين أنّ معدل الترشيحات للمقعد الشيعي الواحد في دائرة بنت جبيل هو 1.3.
ج- إنّ معدل الترشيحات عند الطائفة الشيعية سنة 2013 ينخفض من 3.6 مرشَحين إلى 2.6 مرشحَين، لمجرّد إخراج مقعد زحلة الشيعي الذي ترشح عنه 16 شخصاً ومقعد جبيل الذي ترشح عنه 12 شخصاً!
د- إنّ معدل الترشيحات لدى الطائفة السنّية سنة 2013 هو ضعف الترشيحات لدى الطائفة الشيعية، كما أنّ “المعدل السنّي” هو من الأعلى في لبنان في حين أنّ “المعدل الشيعي” هو الأدنى بامتياز.
ه- حصل تيار “المستقبل” في انتخابات سنة 2009 على ثلثَي المقاعد السنّية الـ27 في حين حصل الثنائي الشيعي على قرابة 90% من المقاعد الشيعية!!
و- أظهرت الأرقام الرسمية لانتخابات سنة 2009 أنّ الناخب الشيعي اقترع بنسبة 99% لصالح لائحة “حزب الله” في منطقة بعلبك الهرمل (10 مقاعد) كما أقترع بنسبة 98% لصالح مرشحي “حزب الله”-“أمل”، في دائرة حاصبيا-مرجعيون!!
والخلاصة، إنّ الكلام عن سيطرة حزب واحد على الطائفة السنّية هو أمر مجافٍ كلياً للحقيقة في حين أنّ السيطرة شبه الكاملة للثنائي “حزب الله”-“أمل” على تمثيل الطائفة الشيعيّة هو أمر ملفت لا مثيل له في “إيران الولي الفقيه”!!
هذا ما تقوله الأرقام.
لذلك يجب أن يجتمع كل اللبنانيين على رفض البحث بأيّ تعديل دستوري يسعى إليه الممثلون الحاليون للطائفة الشيعية قبل أن تُظْهِرَ الانتخابات النيابية المقبلة أداءً للمواطن الشيعي شبيهاً بأداء أخوته في المواطنة، أداء الأحرار، غير المرهّبين أوالمجيّشين!!
كما ولا بدّ من أن نكرر أنّ سيطرة الثنائي الشيعي على طائفة بأكملها أخلّ باللعبة الديمقراطية وبالحياة السياسية عامة في لبنان، وأنّ المشكلة تفاقمت حينما ساهمت فئة من مسيحيّي لبنان عبر مساندتها للثنائي الشيعي على تعطيل نظامنا الدستوري، فهي التي أمّنت له الثلث المعطل وهي التي ساهمت معه في تعطيل أهم استحقاق وطني أيْ الانتخابات الرئاسية سنة 2007. عسى ألّا يكرّروا هذا التعطيل في الاستحقاق الرئاسي سنة 2014!
والأهم من كلّ ذلك هو أنّ الكلام عن الميثاقية كان يعني حتى تاريخ قريب توازناً مسيحياً مسلماً لحظه أساساً دستور الطائف الذي ثَبَّتَ مبدأ المناصفة، فإذا بنا اليوم نراهم يتسلّحون “بقميص الميثاقية” من أجل رفض أو اعتراض أيّ شأن وطني لا يُرضي ممثلي الطائفة الشيعية! إنه “حقُّ فيتو” ابتدعه الثنائي “حزب الله”-“أمل” لصالح المذهب الشيعي وهو يمعن في استعماله تعطيلاً…
