#adsense

لماذا لم يدرك الأسد بعد أنه انسحب من لبنان؟

حجم الخط

لم يقل رئيس النظام السوري بشار الأسد، في مقابلاته الأخيرة مع ثلاثة أجهزة اعلام في لبنان، ولم يفعل في واقع الأمر، الا ما كان يقوله ويفعله على امتداد السنوات الماضية قبل انسحاب قواته من لبنان وبعده. كأن شيئا لم يتغير، لا في لبنان بعد نيسان من العام 2005 عندما تم سحب هذه القوات، ولا في سوريا بعد آذار العام 2011 عندما بدأت الثورة الشعبية ضده ولا تزال حتى الآن. ولا حاجة للقول إن هذه المفارقة لن تتغير، ما دام في لبنان من لا يزال يردد بمناسبة ومن دون مناسبة “شكرا سوريا”…ثم يحدد هذه الدولة الشقيقة بأنها “سوريا الأسد” فقط لا غير.

ومن بين نقاط عديدة أوردها الأسد في مقابلاته هذه، يجدر التوقف أمام ثلاث منها على الشكل التالي:

حول مؤامرة ميشال سماحة ـ علي المملوك المثبتة بالصوت والصورة وأدوات الجريمة، قال الأسد انه يريد من لبنان دلائل فعلية وملموسة على هذا الاتهام، وأن أحداً لم يقدم “اليه” شيئا من ذلك. ولكن، لماذا “اليه” بالذات ومن دون اعتبار للقضاء اللبناني الذي تسلم هذه الدلائل وقام بتحقيقاته اللازمة مع سماحة ثم أصدر مذكرتي توقيف بحق المملوك وأحد الضباط العاملين معه، فهو يفسر في الواقع الأسلوب الذي تعاطى به نظام الأسد الأب والابن مع لبنان طيلة السنوات الماضية. ولبنان هنا، هو السلطة والقضاء والأمن والمال والاقتصاد وحتى الشعب كله بمختلف طوائفه ومذاهبه من دون استثناء.

الا أن الأسد لم يقف عند هذا الحد. فقد استغل، على عادة نظامه في مثل هذه الحال، مناسبة رغبة لبنان الملحة وحاجته لتحرير المخطوفين من أبنائه منذ عام ونصف العام في منطقة أعزاز، لإعادة تأكيد أنه لا يزال يتحكم بهذا البلد والسياسة والقضاء والأمن فيه بالرغم من كل شيء.

كان مدير الأمن العام اللبناني اللواء عباس ابراهيم مستعداً، فضلاً عن أنه مضطر، لطرق كل الأبواب في سوريا كما في تركيا وقطر وغيرهما لانجاز مهمة اطلاق المخطوفين واعادتهم الى بيوتهم وعائلاتهم، فلم يتورع نظام الأسد عن وضعه أمام المملوك بالذات وبصورة مباشرة. لماذا؟. لأنه يريد أن يقول للبنانيين، فضلا عن العالم الخارجي كله، إنه والنظام “بريئان” من التهمة الموجهة اليهما رسميا وعلنا من قبل الدولة والقضاء في لبنان.

ثم انه، بالأسلوب ذاته وللغاية ذاتها، تعمد الاخلال بما وصف بـ”صفقة متكاملة” يتم فيها الافراج عن أكثر من مئة من المعتقلات السوريات في سجونه، ليدعي تبريرا لذلك(ويردد معه اعلامه اياه في لبنان طبعا) بأن اطلاق سراح المعتقلات السوريات يتصل بقضية أخرى هي تحريرالمطرانين بولس اليازجي ويوحنا ابراهيم المخطوفين بدورهما…ثم ليتم بعد ذلك الافراج عن حوالي ستين سجينة من دون حدوث أي شيء في مسألة المطرانين.

أما عن سياسة “النأي بالنفس” اللبنانية تجاه ما يحدث في سوريا، فقال الأسد انه يرفض مثل هذه السياسة من جهة أولى فضلا عن أن لبنان لم يطبقها في واقع الأمر من جهة ثانية. لكنه توقف عند هذه النقطة من دون زيادة في الشرح. فلم يقل مثلا انه كان يريد من الجيش وقوى الأمن الداخلي(عملاً بـ”معاهدة الأخوة والتعاون”، أو بمقولة “وحدة المسار والمصير”) أن تدخل الأراضي السورية للدفاع عن نظامه في مواجهة شعبه، كما فعل “حزب الله” وكتائب “أبو الفضل العباس” العراقية. ولا أنه كان يتوقع ربما، للسببين اياهما، أن يقفل لبنان حدوده مع سوريا ليمنع مئات آلاف النازحين السوريين من عبورها، أو حتى أن يعيدهم في حال عبورهم الى الداخل السوري لتقوم قوات النظام باعتقال أو تصفية من تريد منهم.

وفي هذين، رفض سياسة “النأي بالنفس” والشكوى من عدم تطبيقها، يمكن فهم اشارة الأسد الى ما يعتبره اخلال لبنان بموجبات “الوصاية” السابقة من ناحية، والى أن “حزب الله” تولى الوفاء بها تعويضا عن هذا الاخلال من ناحية ثانية.

بل وأكثر من ذلك، فمن خلالهما أيضا يمكن فهم مسلسل العمليات الأمنية والتفجيرات والسيارات المخففة الذي يضرب لبنان منذ عامين ونصف العام…أليس لبنان وسوريا بلدا واحدا، وان بشعبين ودولتين، وأن هذا البلد يخوض في هذه المرحلة معركة ضد “العصابات المسلحة” ووسط “حرب كونية” شاملة تشن عليه من الخارج؟.

أما في النقطة الثالثة، فيلقي رئيس النظام السوري محاضرة في العلم السياسي وفي “العمل الثوري”، يكرر فيها ما كان قد قاله سابقا عن عجز الدولة عن أداء مهامها في حماية الأمن الوطني وتاليا نشوء “المقاومة” لسد هذا العجز. حديثه هذه المرة كان عن سوريا، وتحديدا عن انشغال قواتها المسلحة بالدفاع عن البلد في مواجهة أعدائها في الداخل، وتوفر الظروف بنتيجة ذلك لنشوء “مقاومة” شعبية تقوم بمساعدة هذه القوات من جهة، في الوقت الذي تردع فيه أعداء الخارج عن محاولة المس بالأمن القومي من جهة أخرى.

ولا يخفى على أحد هنا، أنه انما يتحدث عن لبنان بشكل خاص وبالتالي عن “حزب الله”، وأنه يغمز بذلك مجددا مما دأب(وأتباعه وحلفاؤه والحزب معاً) على اعتباره عجزاً من الدولة في لبنان أدى في النهاية الى نشوء ما يسميانه “المقاومة” فيه.

وهل هناك من يسأل بعد لماذا عمل نظام الأسد و”حزب الله” وأتباعهما وحلفاؤهما دائما في خلال الفترة الماضية كلها والآن أيضا على منع اعادة بناء الدولة في لبنان، بل ولماذا لم يدرك كذلك أنه انسحب فعلا من لبنان؟.

العودة الى بداية المقال قد تقدم الجواب.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل