يواجه الإقرار بأن ما يجري في سوريا حرب أهلية اعتراضين. أحدهما من جانب من يرى أنها ثورة، وأن الثورة لا تختلط بمفهوم الحرب الأهلية إلا بشكل سطحي وعارض، وهنا يجري تناسي الاختلاط الجذري بين الثورة والحرب الأهلية في تاريخ الثورات الثلاث الأكبر في التاريخ الحديث، الفرنسية والروسية والصينية. أما الاعتراض الثاني فمن جانب من يرى أنها ليست حرباً أهلية، وانما مؤامرة، سواء اعتبرها مؤامرة “امبريالية – صهيونية – تكفيرية” مشتركة ضد النظام البعثي العلماني التقدمي، أو اعتبرها مؤامرة “امبريالية – صهيونية – مهدوية” مشتركة ضد الثورة السورية نفسها. وكما في أيام الحرب اللبنانية التي وجد من اعتبرها حرب الآخرين على أرض لبنان، فقد تكاثرت هذه النغمة في أوساط السوريين لا سيما في الفترة الأخيرة، ومن مواقع مختلفة درجة البعد والقرب من النظام، أقله من حيث تركيبة الخطاب. ولا شكّ في هذا المجال أنّ المشاركة الأجنبية في الحرب الأهلية السورية ملفتة، لكنها وبدلاً من أن تنفي الطابع الأهلي للتناحر الحاصل فإنها تكشف عن اتصاله بخريطة من النزاعات الأهلية لا سبيل الى مقاربتها بالعين الراصدة للظواهر “الإرهابية” ليس إلا. “المساهمة الشيشانية” على سبيل المثال لم تقارب بالشكل الجديّ بعد. هؤلاء المهاجرون للقتال في سوريا لم يفدوا إليها من بلد لا تاريخ له، وإنما من أرض مضرّجة بدماء رغبات شعبها “الانفصالية” عن الاتحاد الروسي. من منا أعار القضية الشيشانية حقّ متابعتها أو الحدّ الأدنى من التضامن معها، هذا باستثناء ذكر غروزني المنكوبة، تعداداً، من ضمن مآسي المسلمين في العصر الحديث؟ ما يدعو للتوقف عنده، مليّاً اليوم، هو ان آلاف الشيشان الذين يقاتلون في سوريا على ما يسابق الإعلام السوري، وبعده الإعلام الروسي الرسمي، الجميع للتدليل عليه، هم، رسمياً، مواطنون روس، وهذا يعني أن روسيا الاتحادية التي اتخذت من المسألة السورية مدخلاً الى استعادة شيء من الحضور في العلاقات الدولية، والتي تمدّ النظام السوري بالسلاح، فيما ترعى تسوية تفكيك ترسانته الكيماوية، إنما هي في الوقت نفسه، الدولة التي يتسرّب، بحسب إعلامها هي، وإعلام النظام السوري، الآلاف من مواطنيها للقتال في سوريا. ليس هناك وقائع أكثر تدليلاً على آفاق الاختلاط بين نزاعات أهلية وإثنية غير متجاورة جغرافياً في عالم اليوم. بالتوازي، يتدافع المحللون من كل حدب للقطع على أي مقاربة متعددة الأبعاد للمسألة السورية، من خلال حديثهم عن “الأفغنة”. الحديث عن “الأفغنة” هو في المحصلة تعويمي للنظام. يجري الاستخفاف بالعقول هنا، وتصوير الأمور في أفغانستان كما لو أنها كانت تعيش هناء “الديموقراطية الشعبية” بقيادة الشيوعيين فيها، فأرسلت لها الإمبريالية الأميركية والرجعية العربية آلاف المقاتلين لإسقاط النظام العلماني التقدمي. تجري هنا المكابرة على المحدّد الأساسي للمسألة الأفغانية: استيلاء الشيوعيين على السلطة في كابل وبشكل منعزل عن البيئة والمجتمع، وتناحرهم في ما بينهم عليها فوق ذلك، واجتياح السوفيات للبلاد لإنقاذ هكذا نظام. القضية الأفغانية في الثمانينات كانت هي أيضاً قضية شعب يناضل من أجل الحرية، ومن أجل تخلّصه من استبداد “تقدمي” واحتلال أجنبي “أممي”. نعم، ثمة شيشان في سوريا، وثمة “أفغنة” للصراع في سوريا، لكن ذلك له أن يقارب بتعميق فهمنا لديناميات الحرب الأهلية، ولكون العنصر الأساسي للثورة ما زال قائماً، حيث هناك نظام فئوي أقلوي دموي انتفضت ضده قوى تنتمي إلى النسيج الأكثري العربي – السني من السوريين من دون أن يكون بمستطاع هذا النسيج أن يحقّق نفسه في جسم وطني توحيدي للثورة نفسها، فكيف لعموم البلاد. “الشيشنة” و”الأفغنة” تعنيان بشكل أساسي أن هناك شبهاً أساسياً بين المسألة السورية وبين المسألتين الأفغانية والشيشانية، وهذا ما يكابر الكثيرون عليه. وجه الشبه: إنها مجتمعات لم تحضر فيها راية “التقدّم” إلا مستبدّة أقلوياً، أو غازية أجنبياً، ومناوئة للغرب الإمبريالي في الوقت نفسه. في سوريا، حرب أهلية تحافظ على العنصر الثوروي الأساسي رغم كل شيء، أي إن هناك طغياناً دموياً وانتفاضة شعبية للتحرّر منه. وهذه الحرب الأهلية تحاكي أو تتصل بسواها سواء في الجوار أو في البعيد. قد يكون التمني سهلاً بأن يقابل السوريون والشيشان والأفغان هذا المبدأ “التقدمي” الاستبدادي المسخ، فالمبدأ “التقدمي” الديموقراطي الوطني التعدّدي، لكن الواقع ليس كما التمنّي. أوّل التصالح مع الواقع هو الإقرار بأن الطابع “الشيشاني” كما “الأفغاني” للحرب الأهلية السورية هو هو العنصر الثورويّ فيها، حقيقة أنها ثورة على التدمير الشيوعي أو البعثي لهذه البلدان. للأسف، فإن اندثار فكرة “الجامعة الإسلامية” كما كانت رائجة في القرن التاسع عشر، يجعل المقاربين لا ينظرون إلى ما هو “شيشاني” أو “أفغاني” في سوريا إلا بمقاربة أمنية “مكافحة للإرهاب”. في الواقع، لا يمكن فهم الطابع الجذري للعنصر الثوروي في الحرب السورية إلا باستعادة بعض معاني هذه الجامعة: هناك ما يجمع المجتمعات الأفغانية والشيشانية والسورية في نكباتها. هناك مشترك بين حروبهم الأهلية. هذا المشترك لا يقارب بالتعالي “التنويري” عليه، ولا بالتجميل “التنويري” له. إنه شقاؤنا. إنه العنصر الثوروي الذي ينسف من داخله هذا الشقاء.