#adsense

من الحريري الأب إلى الإبن… العلاقات الخارجيّة تقوّينا

حجم الخط

                                                                             

تنسج معظم القوى السياسيّة والأحزاب اللبنانية علاقات مع الدول الخارجية، لأنّ السياسة اللبنانية مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بالأحداث التي تجري في المنطقة وتوازنات القوى الإقليمية والدولية ومصالح الأمم.

أعطت العلاقات الخارجية قوّة للسياسيين اللبنانيين، إستثمروها في الداخل لتحقيق انتصارات على خصومهم. لكنّ أيّ جهة لبنانية لم تتمكّن من بلوغ مستوى علاقات تيار “المستقبل” في عهد الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع دول العالم، حيث كان يقصد عواصم القرار، ويلتقي الرؤساء والملوك، ويدخل المحافل الدولية من بابها العريض، مُحرّكاً الرأي العام العالمي وقت الحاجة، عاقداً الإتفاقات السياسيّة مثل “اتفاق نيسان” الذي شرّع عمل المقاومة في الجنوب على رغم الدعم الدولي لإسرائيل، والإتفاقات المالية مثل مؤتمرات باريس لدعم لبنان.

كلّ تلك العلاقات الإقليمية والدولية، أثمرت مكاسباً للبنان وأعطته قوّة دفع، تُرجمت بزيارات الموفدين الدوليين له بعد غيابه عن الخريطة العالمية نتيجة الحرب الاهلية، وزيارة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الى لبنان وإطلاقه الإرشاد الرسولي. كذلك تُرجمت في المحافل الرياضية حيث وضع الحريري ثقله لاستضافة لبنان كأس آسيا في كرة القدم عام 2000 ونال مبتغاه. وباتت بيروت مدينة المؤتمرات والقمم، وفي الوقت عينه لم يهمل السياسة الداخلية التي تعطيه قوّة خارجية، لأنّ المجتمع الدولي يعامل الشخص ويعطيه الاهميّة نسبةً لنفوذه في بلده. وقد ساعدت علاقته بالسعودية وتراجع دور المسيحيين بعد الحرب في سطوع نجمه الخارجي. إذ قال النائب السابق فارس سعيد في ربيع الـ2004: “رفيق الحريري رجل عالمي تفتح له عواصم العالم أبوابها، لا أحبّذ أن يتعاطى بشؤون محلية في البلدات والقرى، فليترك لنا ملفات المخاتير والبلديات والقائممقامين وشيوخ الصلح، ويتعاطى الملفّات الإقليمية والدولية”.

صفحة جديدة

بعد اغتيال الحريري، هبّ معظم زعماء العالم الى لبنان للتعزية، وبدأت صفحة جديدة من الحراك الدولي وتتابعت قرارات مجلس الامن في شأن لبنان، ليتسلم الرئيس سعد الحريري دفّة القيادة، ويحاول المحافظة على العلاقات الدولية التي بناها والده، وتوظيفها لمصلحة “14 آذار” وخطّه السياسي، وقد نجح الى حدّ ما، حيث قام بزيارات مكوكية الى الخارج، لكنّ التراجع حصل بعد إسقاط حكومته وغيابه عن الساحة اللبنانية.

دائرة التواصل الخارجية

تنشط الدائرة الخارجية في تيار “المستقبل” لإبقاء الإتصال بمراكز القرار العالمية، لكنها تواجه بعض الصعوبات حيث إنّ الحريري الأب كان شخصاً غير عادي ولديه حركة وتواصل استثنائي مع زعماء العالم، وله أصدقاء في معظم الدول، أمثال الرئيس الاميركي جورج بوش، الرئيس الفرنسي جاك شيراك، رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير، المستشار الألماني غيرهارد شرودر، رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلسكوني وغيرهم من الشخصيات العالمية، لكنّ هؤلاء انتهت ولاياتهم، وتبدّلت الظروف في لبنان ودولهم، وتغيّرت أولوية المجتمع الدولي، ما دفع الحريري الإبن الى إعادة بناء علاقات مع الأشخاص الذين تولّوا هذه المناصب. كذلك، فإنّ الوضع في لبنان لم يساعده، فمنذ تسلّمه القيادة السياسية تلاحقت الأزمات والأحداث والإغتيالات.

وتعترف الدائرة الخارجية في “المستقبل” بوجود بعض التقصير الذي تعمل لإستدراكه. وقد ساهم نجاح إبعاد الحريري عن الساحة السياسية اللبنانية وغيابه الدائم في تضخّم التقصير، لكنّ التواصل مع السعودية وواشنطن ولندن وباريس وحتى موسكو موجود وعلى مستويات عدة، ومن خلال السفراء في لبنان، وأشخاص من تيار “المستقبل” مطلعين على الشأن الديبلوماسي موجودين في عواصم القرار مهمتهم الوحيدة ترويج أفكار التيار وسياساته وإطلاع الحريري على المتغيّرات في هذه العواصم. وكذلك فإنّ التواصل يتمّ عبر الرسائل المكتوبة اذا كان الموضوع مستعجلاً، لأنّ الضبابية تسود الوضع في لبنان والمنطقة، لذلك من الضروري إبقاء اقنية التواصل مفتوحة.

التأثير الأميركي ـ السعودي

يتأثّر تيار “المستقبل” بالمملكة العربية السعودية، لكنّ العلاقة التي تربطه بها ليست عقائدية عضوية، إنما سياسية حيث إنّ نفوذ المملكة في لبنان وعلاقتها مع الزعامة السنّية ورئاسة الحكومة كانت موجودة دائماً على رغم إختلاف بعض رؤساء الحكومات معها، لكنّ تلك العلاقة ليست مثل العلاقة التي تربط إيران بـ”حزب الله”، او الاحزاب الشيوعية في العالم ببعضها البعض، لأنّ الحزب الشيوعي هو حزب أممي. أمّا بالنسبة الى الولايات المتحدة الاميركية فانّ “المستقبل” يحرص على نسج أفضل العلاقات معها والمحافظة على العلاقات الموروثة من عهد الحريري الأب. لكنّ الخلاف السعودي – الاميركي نشأ في الاسابيع الاخيرة ما دفع “المستقبل” الى إبعاد نفسه عنه.

«النأي بالنفس»

لعلّ مصطلح “النأي بالنفس” هو التعبير الأصح لوصف تعامل “المستقبل” مع التباين الأميركي – السعودي، وعلى رغم انّ الدائرة الخارجية في “المستقبل” تنشط في هاتين الدولتين لمعرفة مدى استمرار هذا التباين وانعكاسه على لبنان الذي وُضعت ملفاته العالقة في الثلاجة، وتؤكد أوساط “المستقبل” أنّ “هذا التباين ليس لديه تأثير كبير علينا، لأنّ الخلاف هو على ملفات كبيرة مثل الملف الإيراني والسوري وليس على تفاصيل لبنانية، و”المستقبل” ليس طرفاً مباشراً لأنه موجود خارج الحكم، وله علاقات متينة مع الطرفين، ولديه اهداف معلنة وواضحة قصيرة الأمد وأخرى استراتيجية للبلد، وما يطمئن، أنّ نظرتَي الرياض وواشنطن لم تتغيّرا بالنسبة الى الملف اللبناني. كذلك فإنّ نظرة “المستقبل” ثابتة في تأليف الحكومة وحماية لبنان من النار السورية وضبط الحدود والنأي بالنفس وإنهاء السلاح غير الشرعي، كذلك فإنّ استراتيجيّة البلدين ثابتة بالنسبة الى لبنان”.

من وجهة نظر “المستقبل” إنّ هذا الاختلاف لن يؤثر في لبنان أيضاً, على رغم انّ مواقف واشنطن سبّبت إشكالية كبيرة للرياض التي تعتبر “أنّ إيران وضعت يدها على لبنان وهذا امر خطير، وقد انتقل من ساحة نفوذ الى استعمال بعد مساندة “حزب الله” النظام السوري بأمر إيراني مباشر. ما دفع السعودية الى الامتعاض من حصر التفاوض الأميركي مع إيران بالملف النووي وعدم كبح نفوذها في الخليج وسوريا بعد صفقة الكيماوي السوري.

يبدو أنّ “المستقبل” واثق من قوّته الخارجية على رغم بعض التراجع، لأنّ أيّ شخصية لبنانية سنّية لم تنجح حتى الآن في احتلال مكان الحريري، كذلك، فإنّ الحريري سيكون حاجة لأنّه يمثّل الإعتدال السنّي في وقت يتمّ الإجهاز على التطرّف في المنطقة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل