كتبت رينا ضوميط في “الجمهورية”:
عاد ملفّ المعتقلين في السجون السورية والمخطوفين في لبنان وخارجه إلى واجهة الأحداث بعد إطلاق مخطوفي أعزاز، نتيجة الجهود الحثيثة التي بُذلت لأجلهم، وهي جهود لم يحظَ أولئك المعتقلون والمخطوفون بمثلها منذ عشرات السنوات.
الدولة في “كوما”… أفضل عبارة لتوصيف حال المسؤولين الذين لم يبادروا فعليّاً منذ زمن طويل الى إنهاء ملفّات المخطوفين والمعتقلين من اللبنانيين في لبنان وسوريا، فهل ينتظرون لجوء الأهالي الى اسلوب الخطف لجذب الاهتمام بقضيتهم والعمل على حلّها؟ أو إلى إحراق الدواليب أو إلى “حجّة حياة” ثانية؟.
لم تحظَ سائر قضايا الخطف القسري بالإهتمام الكافي لدى هؤلاء المسؤولين الذين يتنصّلون دوماً من مسؤوليّاتهم، وكأنّ المعتقلين أو المخطوفين ليسوا أبناء هذا البلد، أو أنّهم مواطنون من الدرجة الثانية. فيما يعتبر البعض أنّ الأوان قد حان لتحرّكات شعبية، تطالب بإحالة هذا الملف إلى المحافل الدولية لكشف مصير ضحايا الإخفاء القسري وإعادتهم الى ربوع وطنهم.
وقد مرت 4 أعوام على خطف جوزف صادر من أمام مقرّ عمله في مطار رفيق الحريري الدولي” وحتى الآن لا معلومات عن الجهة الخاطفة أو مكان وجوده، والعائلة لا تزال تتمسّك بالأمل الذي يمكن أن يعيد اليها الزوج والأب والمُعيل، ولم تتعب من البحث والسؤال عن مصيره، عبر جولاتها المكّوكية على المسؤولين السياسيّين أو المعنيّين ولكنها لم تنل حتى الآن سوى وعوداً برّاقة.
رنا خوند: “قرّفونا”
بطرس خوند هو أحد رموز المفقودين السياسيين في سوريا، والذي أبعِد عن عائلته الكبيرة والصغيرة. رنا خوند إبنة الـ25 عاماً، اختطف والدها فيما كانت طفلة لا يتعدّى عمرها السنوات الأربع، حُرمت من لفظة “بابا”، وهي لا تذكر والدها ولا تعرفه إلّا بالصورة ومن خلال قصص ترويها لها والدتها.
بألم وحسرة تقول رنا لـ”الجمهورية”: “وصلنا إلى مرحلة من القرف، فكلّما حاولنا فتح باب يقفل آخر في وجهنا”. وسألت: “لِمَ هذا الاهتمام الذي شاهدناه لمخطوفي أعزاز، بينما قضيتنا التي فاق عمرها سنوات لم يهتمّ أحد بها. “كنّا مقهورين” لم نترك مسؤولاً إلّا وزرناه، ولا ندري لماذا لم يتحرّكوا منذ البداية، ماذا في استطاعتنا أن نعمل؟ وهل نلجأ الى إقفال الطرق أو الى الاساليب التي اعتمدها غيرنا؟ هل يجب الذهاب الى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي ليتوسّط لنا في قطر؟”.
قضية بطرس خوند تختلف عن بقيّة القضايا، وتشدّد رنا على “أنّنا الآن لا نريد إدخالها في السياسة، وإنّما نتحرّك من منطلق إنسانيّ”. وأضافت: “لقد زارت والدتي الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصرالله عام 2005، كذلك زرنا جميع المسؤولين اللبنانيين، ولكنّ الأجوبة كانت في اختصار: “لا نستطيع التصرّف، وسنحاول قدر المستطاع”.
عائلة خوند يائسة من عدم معرفة مصير بطرس، وقد انتقد أحد أقاربه الشعار الذي يرفع دائماً: “يا قائد حدّك في رجال”، قائلاً: “نشُكّ في هذا الأمر”.
وتتوقف رنا بغصّة ممزوجة بالعتب عند تألّم وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال مروان شربل على مخطوفي أعزاز الذين احتُجزوا سنة ونصف السنة، متناسياً المعتقلين والمخطوفين في السجون السورية الذين يتعرّضون للضرب والتعذيب “هودي مش حرام”؟. وشدّدت “على ضرورة اهتمام المسؤولين في هذه القضية، فقد وصلنا إلى مرحلة بتنا نريده حيّاً أو ميتاً، فمن الصعب العيش في حال من الضياع”. وناشدت المسؤولين “حلّ هذه القضايا المعلّقة بعدما تبيّن انّ في استطاعتكم القيام بالوساطات والذهاب الى قطر وإخراج المخطوفين بحفنة من المال، فلماذا لم تلجأوا إليها منذ زمن”. وأضافت: “لنستغلّ الوضع في سوريا، فالسجون فالتة، وبالمال يمكن إخراج السجين عبر الدفع لآمر السجن، ولكن نريد من يساعدنا، وإذا كانت الدولة لا تستطيع العمل على هذا الأمر علَناً، فلتلجأ إلى الطريقة المخفية. لا أحد يتحرّك “تعّبونا وما في نتيجة”.
“الدولة أعادتنا إلى الصفر”
أمّا قصّة اللبنانيين عماد عنداري وكارلوس أبو عزيز اللذين اختُطفا منذ أكثر من سبعة أشهر في نيجيريا، وحتى الآن لم تحرّك الدولة ساكناً في شأنهما، فليست بأفضل حال. وحتى الساعة، يبدو أنّ شركة “سيتراكو” التي يعملان لحسابها هي “الدولة” التي تتحرّك لمتابعة قضيتهما. ويوم الجمعة الماضي عقد اجتماع بين شربل وأهالي المخطوفين في حضور ممثلين للشركة، وطلب شربل من الشركة التواصل مباشرة مع الخاطفين وإيصال المراجع اللبنانية الرسمية إليهم.
وفي هذا الصدد، تقول دارين عنداري شقيقة عماد: “عدنا إلى نقطة الصفر، والشركة وصلت مع الوسيط الى حائط مسدود، والدولة رمَت المسؤولية على الشركة”. وتضيف: “دفعت الشركة مبلغاً من المال على اساس انّه سيتمّ الإفراج عنهما، حيث يقال إبنهما موجودان في النيجر ولا يمكن إيصالهما الى الحدود بسبب القتال الدائر في الشمال، عندما تسلّم الخاطفون المبلغ المطلوب أقفلوا خطوطهم بعد أسبوع من ذلك، وحتى الآن لا يزالون خارج السمع”.
وكانت العائلة التقت منذ أسبوع مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعّار الذي أكّد أنّه سيعمل على حلّ هذه القضية، كذلك حاولت الاجتماع مع رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي لكنّه لم يستقبلها.
بدورها، وجّهت نانسي زوجة عماد صرخة إلى المسؤولين، قائلةً: “أنظروا إلينا، الشركة ليست دولة، وهذا آخر ما كنّا نتوقّعه”.
أمّا روزي زوجة أبو عزيز التي لا تجد جواباً على أسئلة أطفالها الثلاثة عن والدهم الذي لم يسمعوا صوته منذ مدة، فتقول: “الأولاد يسألون عن والدهم، وجوابنا لهم أنّ “البابا لا هاتف لديه للاتصال بنا”. وتضيف بأسى: “الدولة أعادت عقارب الساعة الى الوراء محمّلةً الشركة المسؤولية الكاملة، وطالبةً منها الإتيان برأس الخيط لتستكمل المهمّة، ولكن يبدو أنّ الدولة غائبة”، وسألت: “إذا لم تساعدنا الدولة، فإلى من نلجأ”؟ ولكنّها تستدرك: “آخر ما قاله المدير العام للأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم هو أنّ المخطوفَين في خير”.
وزير الداخلية
من جهته، يقول وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال مروان شربل لـ”الجمهورية”: منذ أيام اجتمعتُ مع أهالي المخطوفين في نيجيريا، فضلاً عن شخصين يمثلان الشركة، وبالتالي سنعمل قدر المستطاع لحلّ هذه القضية”، لافتاً إلى اجتماع ثانٍ سيعقد بعد جمع المعلومات. ويضيف: “الشركة دفعت مبلغ 4 ملايين دولار لقاءَ الإفراج عن المخطوفَين، ولكن لم يتمّ اطلاقهما”.
أمّا في ملف المعتقلين في السجون السورية فيقول شربل: “هناك لجنة تألّفت لمتابعة هذا الملف، وأنا لست متابعاً له”.
غسّان مخيبر
في هذا الإطار، يؤكّد النائب غسان مخيبر لـ”الجمهورية” أنّ “ملفّ المخطوفين والمعتقلين يبرز بنحو متقطّع على الساحة”، مشيراً إلى “أنّنا انتقلنا من حالة “كوما كاملة” وعدم اهتمام رسمي وشعبي الى اهتمام كبير، ثمّ عدنا الى بعض الإهمال اليوم”. ويضيف: “عملية الخطف والإفراج ذكّرتنا بموضوع ضحايا الاختفاء القسري، وإنّ هذا الموضوع ليس للتاريخ، إنّما هو الحاضر والمستقبل”، لافتاً إلى أنّه “يجب أن نسعى إلى حلّ قضية إنسانية كبيرة تعاني منها آلاف العائلات اللبنانية، ويجب أن لا تحصل في المستقبل”.
ويشدّد مخيبر على ضرورة “إبقاء هذا الملف في مقدّم الأجندة اللبنانية لأهمّيته الإنسانية، والمعالجة يجب أن تكون في إنشاء الهيئة الوطنية لقضية المفقودين وضحايا الاختفاء القسري، على أن تتمتّع بالاستقلالية والفعالية وتحمل هذه القضية بجدّية مثلما حملها المدير العام للأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم وأوصلها الى خواتيمها”. ويقول: “هناك مجموعة من المسؤوليات تقع على عاتق مجلس النواب، منها إقرار قانون إنشاء هذه الهيئة وإعطاؤها الصلاحيات، وإنشاء بنك معلومات عن الحمض النووي، وتعويض المحرّرين من ضحايا الاختفاء القسري، والاستمرار في العمل لحلّ هذه القضية بتشعّباتها المختلفة”.
عاد: لتشكيل هيئة وطنية
بدوره، أكّد رئيس جمعية دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين في السجون السورية “سوليد” غازي عاد لـ”الجمهورية”: “أننا مستمرّون في الخطوة نفسها التي اتّخذناها منذ فترة طويلة، وهي تشكيل هيئة وطنية مستقلّة لمعالجة ملفّ المخطوفين والمعتقلين”، لافتاً إلى أنّ “مرسوم تأليف هذه الهيئة موجود في مجلس الوزراء، ونحن نضغط اليوم على الحكومة لكي تؤلّفها، لأنّ المدخل السليم والصحيح لمعالجة هذه القضية هو في إنشاء مؤسّسة مستقلة متخصّصة للعمل من أجل ملفّات من هذا النوع”. وأشار الى أنّ “الهيئة تتألف من الدولة ومن مجموعات المجتمع المدني ولجان الأهل”.
ويبقى السؤال، ما هو مصير المعتقلين اللبنانيّين في سوريا؟ وأين دور السلطة اللبنانية في هذا الملف الإنساني بامتياز؟ وهل استفسرت عن مصير حاملي هويتها، أقلّه عبر الأمانة العامّة للمجلس الأعلى اللبناني ـ السوري؟ أو عبر السفارة السورية في بيروت؟