| جولات العنف في طرابلس سجّلت أرقاماً قياسية في عهد حكومة ميقاتي غياب موقف حازم لرئيس الحكومة المستقيلة يشجّع على تكرار استهداف المدينة لم يعد أبناء طرابلس يثقون بمايطلق من وعود حكومية لتثبيت الأمن والاستقرار ومنع جولات العنف |
منذ تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل حكومة الانقلاب على نتائج الانتخابات النيابية التي جرت في العام 2009، بدعم مكشوف من حليفه الرئيس السوري بشار الأسد والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، سجّلت جولات العنف والاشتباكات والتدمير الممنهج التي تعرضت له مدينة طرابلس رقماً قياسياً لم تسجله في عهد أي حكومة أخرى منذ توقف الحرب الأهلية في لبنان بعد اتفاق الطائف، خلافاً لما كان يأمله بعض أبناء المدينة التي ينتمي إليها الرئيس ميقاتي مع مجموعة من وزراء حكومته لم تضمهم أي حكومة سابقة، بإرساء حدٍّ مقبول ومعقول من الاستقرار الأمني والاهتمام الحكومي يعوّضها سنوات من التهميش والحرمان الانمائي المزمن ويُعيد إليها رونقها وعافيتها الاقتصادية وانتظام دورة الحياة الطبيعية فيها بعيداً عن هواجس التهديد والقنص والقتل والتهجير.
ولكن أظهرت الوقائع أن كل هذه الآمال تبخرت وذهبت كل الوعود الحكومية بالنهوض بعاصمة الشمال أدراج الرياح وكأن حكومة الرئيس ميقاتي هي معادية للمدينة وليست من طينتها أو لا ينتمي إليها أحد من مكوّناتها، حتى ذهب البعض في توصيفها بأن ما عاشته المدينة طوال السنوات الماضية يمكن وصفه بالزمن الأكثر سواداً في تاريخها، والأنكى من كل ذلك أن تتعرض طرابلس لهذا الكمّ من الخراب والدمار والقتل وسفك الدماء على يد زمرة مسلحة تأتمر بإمرة النظام السوري وتنفذ مخططاته الدموية انطلاقاً من مراكز تواجدها في جبل محسن بدعم وتمويل وتسليح من «حزب الله» كما هو معلوم للقاصي والداني على حدٍ سواء، لابقائها رهينة مستدامة في يد النظام على امل مقايضتها مع الغرب اذا امكن لاستمرار وجوده في سدة السلطة بسوريا على حساب دماء اللبنانيين كما كان يفعل من قبل، بينما يلاحظ بوضوح احجام رئيس الحكومة الطرابلسي عن توجيه اي انتقاد او اتهام لهذه الزمرة المأجورة او حتى تحاشي الاشارة اليها تلميحاً او مواربة، برغم الدور الذي تمارسه عالمكشوف في استهداف عاصمة الشمال وترويع اهلها وشل حركتها واخيراً مشاركة بعض المنتمين اليها في القيام بتفجير السيارتين المفخختين امام مسجدي التقوى والسلام وقتل وجرح العشرات من ابنائها وتهديم مساكنهم وممتلكاتهم كما اظهرت التحقيقات التي تجريها السلطات الامنية والقضائية في هذا الشأن والملاحقات الجارية لالقاء القبض عليهم.
ويبدو ان الرئيس ميقاتي يبقي مواقفه وتعليقاته عما تتعرض له عاصمة الشمال في اطار المواقف الضبابية والملتبسة التي تحتمل عدة تفسيرات في الوقت نفسه كما يفعل باستمرار، ويتفادى قدر الامكان توجيه اي نقد او اتهام ضد هذه الزمرة المسلحة المأجورة او الاشارة الى مسؤوليتها عن المبادرة في اشعال جولات العنف واستهداف امن واستقرار طرابلس، خشية اغضاب النظام السوري الذي دعم وصوله لسدة رئاسة الحكومة ولتفادي اغضاب «حزب الله» من جهة ثانية، الامر الذي يبقي المدينة عرضة لاستهداف هذه الزمرة المسلحة ومن يدعمها في ظل عدم وجود موقف سياسي قوي وحازم كان يفترض ان يشكل رادعاً لهذه الزمرة او لكل من تسول له نفسه اشعال جولات العنف في طرابلس وغيرها.
ولكن في ظل هذا الواقع المتفلت وتراخي رئيس الحكومة نجيب ميقاتي واحجامه عن تسمية الاشياء باسمائها وتحديد الجهة او الزمرة او المجموعة المسلحة التي تتسبب باشعال نار الفتنة في المدينة، أياً تكن وتحميلها مسؤولية ما يجري بشكل مباشر أو تسمية الجهات الداعمة لها بشل غير مباشر، وإبقاء الدعم الحكومي للجيش والقوى الأمنية في إطار رفع العتب فقط، فان هذا يعني استمرار تشجيع من يستهدف المدينة على تكرار فعلته وممارساته بالقتل غير عابئ بأي ملاحقة أو اقتصاص منه بأي شكل من الاشكال، ما دامت الجهات الحكومية المسؤولة عن الدولة عموماً ومدينة طرابلس على وجه الخصوص لم تحزم امرها بشكل نهائي وتقوم بمسؤولياتها لوضع حدّ نهائي بتدابير حازمة ورادعة، لمنع تكرار ما يحصل ضد أبناء المدينة.
ولذلك، لم يعد أبناء المدينة يثقون بما يُطلق من وعود حكومية لتثبيت الأمن والاستقرار ومنع تكرار جولات العنف فيها ما دام المسؤولون الكبار وعلى رأسهم رئيس الحكومة لم يحزموا امرهم لاتخاذ خطوات جدية وفاعلة ضد كل من تسوّل له نفسه بإشعال نار الاشتباكات وتأجيج الصراع الدائر هناك، كون مثل هذه الوعود اغدقت عشرات المرات وفي كل مرّة يتم تهدئة الأمور ووقف الاشتباكات الدائرة بشكل مؤقت، ثم لا تلبث أن تنفجر مجدداً لدى كل استحقاق محلي او مرتبط بما يحصل على الساحة السورية هذه المرة.
وفي اعتقاد الطرابلسيين إذا لم تتخذ تدابير وإجراءات استثنائية تتخطى مراعاة حسابات النظام السوري او ردات فعله بالداخل اللبناني، من «حزب الله» وغيره فان تكرار جولات العنف في عاصمة الشمال متوقع، ولا سيما مع اقتراب موعد تحديد مؤتمرات تسوية الأزمة السورية في جنيف أو غيره أو عدم نجاح المساعي لعقدها.
