#dfp #adsense

المعادلات العنيفة

حجم الخط

 

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه
يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم
(زهير بن أبي سلمى)

في –، اغتالت المخابرات السورية سفير فرنسا في بيروت لوي دولامار. طالبت السلطات الفرنسية يومها لبنان بالمعطيات المتعلّقة بالتحقيق، وكالعادة لم يعلن أي شيء. بعد فترة قصيرة وضع مجهول متفجرة في ساحة المرجة في دمشق وسُرّبت شائعات عن مسؤولية المخابرات الفرنسية عنها!

بعد تلك الحادثة، وبحسب علمي، لم تستهدف المصالح الفرنسية في لبنان من قبل النظام السوري. صحيح أن جنوداً فرنسيين كانوا من الضحايا الجانبيين بعد متفجرتي “المارينز” والقوات الفرنسية في بيروت، ولكن المتهم وقتها كان “منظمة الجهاد الإسلامي” أو “حركة المستضعفين في الأرض” وهما من الأسماء المستعارة التي استعملها الحرس الثوري الإيراني لتغطية تسلله قبل أن يصبح اسمه “حزب الله”.

مَنْ غير وليد جنبلاط، العتيق الذي عايش تلك الفترة ودفع ثمنها بدم والده وبدمه هو نفسه عندما نجا من محاولة اغتيال بسيارة مفخخة سنة ؟ من غيره يعلم بصحة هذه المعادلة مما دفعه إلى التصريح بعد تمادي عمليات الاغتيال والتفجير بحق قوى آذار بأن العمليات لن تتوقف إلا إذا وضعت متفجرات في قلب دمشق؟

وقد تكون هذه المعادلة بالذات، وعجز قوى آذار عن تحقيقها، ما دفع وليد جنبلاط نفسه إلى الانكفاء والتراجع بعد أن كان سبقنا جميعاً في التطرف بأشواط, فلم نتمكن وقتها من اللحاق به، وعندما عاد أدراجه متسللاً لم نتمكن من العودة معه ولم نعد نعرف مكانه أصلاً.

على كل الأحوال لسنا نحن بغافلين عن هذه المعادلة، ولسنا مجموعة من القديسين تمشي في الأرض برداء أبيض ورايات تدعو الى السلام بين البشر، راضين بمصيرنا كضحايا لهولوكوست جديد في سبيل الحق والعدالة، أو ليلتهمنا أسد في حلبة للمجالدة بُنيت لتسلية الإمبراطور القابض على أرواح الناس.

لقد سعينا منذ اليوم الأول إلى التمترس وراء شرعية الحق والعدالة لتحمينا، واستمر القتل، والتجأنا إلى الحماية والأمن والإجراءات السرية، فتسرّب القتل من خروم الأمن واصطاد من تمكن من اصطياده منّا.

وعندما عصينا على كل ذلك وتسلّحنا بالصبر، احتُلت الساحات وضرب الاقتصاد ووصلت الأمور إلى الاجتياح المسلح الذي حدث في السابع من أيار. الفضيحة يومها كانت أنه من ضمن البنود التي نوقشت في مؤتمر الدوحة هي وقف الاغتيالات، وبما أن الاغتيالات كانت تطال فقط قيادات آذار، وبما أن هذه الاغتيالات توقفت بعد الاتفاق، فقد كان هذا الواقع اعترافاً صريحاً من جماعة الممانعة في لبنان بأنهم إما هم، أو رعاتهم أو الاثنان، مسؤولون عن عمليات الاغتيال. يعني أننا لجأنا مجدداً إلى الحماية من خلال الاتفاقات المرعية دولياً.

لا شك في أن بعضنا خطر بباله تأليف مجموعات سرية للرد أو الردع أو حتى استباق الاعتداءات بمثيلاتها.
وبعضنا اقترح إنشاء ميليشيات عالية التدريب والتسليح لفرض توازن رعب في مواجهة “حزب الله”.

والواقع هو أن ذلك كله كان ولا يزال مطلباً لأكثرية وازنة من قواعد آذار، ومع ذلك لم يحدث، فكل هذه الخيارات كانت تحتاج إلى تغطية مالية وسياسية وأمنية وعسكرية من قبل قوى قادرة، ولم تكن متوفرة في حينها ولا هي متوفّرة اليوم.

وعندما طرحت هذه الأمور على مستوى القيادة في آذار، كان الجواب كما يلي: “إن لعبة الدم ستُدخلنا في حلقة مفرغة من القتل والعنف الذي لا ينتهي ونحن لا خبرة ولا رغبة لنا بذلك. خيارنا هو الاعتماد على العدالة والقوى الشرعية رغم كل المخاطر والإحباطات. كم من المال صرفنا منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري على تأمين الصمود لمواطنينا؟ لقد كان بالإمكان بدل ذلك استئجار مافيات دولية معروفة بجزءٍ بسيط من هذه المبالغ للردع أو الانتقام أو حتى تحقيق العدالة، ولكننا رغم ذلك لم ننجرّ ولن ننجرّ إلى تركيبة ستؤدي إلى دمار الهيكل على الجميع!”.
التاريخ وحده سيحكم عن صوابية هذا الخيار!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل