تتغيَّرُ السياسةُ الخارجيةُ الأميركية بتبدُّلِ المناخاتِ السياسيةِ والاقتصادية، وهو أمرٌ بدأَتْ ملامحُهُ بالظهور مؤخراً بعد فشلِ الولاياتِ المتحدةِ في استثمارِ الربيعِ العربيّ لتوليدِ ديمقراطياتٍ تُنتِجُ حُكماً إِخوانيَّاً، وبعد استفحالِ الفوضى وتَفلُّتِ التطرُّفِ والإرهابِ من عُقالِهما.
وهذا الأمرُ انعكسَ تراجُعاً كبيراً في اهتمامِ الولاياتِ المتحدةِ بالمِلفِ المصريّ، وتخلِّياً مهماً عن إدارةِ المِلفِ السوريّ على وَقعِ تدميرِ النظامِ السوريّ لترسانتِهِ الكيماويَّةِ المُهدِّدَةِ لأمنِ إسرائيلَ وعلى وقعِ تقدُّمِ المُفاوضاتِ حولَ المِلفِ النوويِّ الإِيرانيّ. وهذا التصحيحُ في مسارِ السياسة الخارجيةِ الأميركيةِ الذي يبدو للبعضِ وكأنَّهُ اعترافٌ بفشلٍ في تحديدِ الأَولويَّاتِ ورسمِ المساراتِ والتعاطي مع المِلفات، ليس سوى النتيجةِ الحتميَّةِ لعملِ دولةٍ عُظمى تُحدِّدُ مصالحَها بناءً على دراساتٍ ستراتيجيةٍ على المَدَيَينِ المتوسطِ والبعيدِ تأخذُ في الاعتبارِ المُتغيِّراتِ السياسيَّة والاقتصاديَّة.
فهل يكونُ من ضمنِ إعادةِ النظرِ بالسياسةِ الخارجيَّةِ الأميركيَّة :
أولاً: تعويمٌ محدودٌ لدورٍ ما للرئيسِ السوريّ بشار الأسد الذي قَـبِلَ بالتَّخَلي عن سلاحِهِ الاستراتيجيّ وعرفَ كيفَ يُصوِّرُ نفسَهُ خطَّ دفاعٍ أول بوجهِ التطرُّفِ والإرهاب، وعاملَ استقرارٍ في منطقةٍ تعيشُ على فُوَّهَةِ بُركانٍ طائفيٍّ وسياسيّ؟
ثانياً: اعترافٌ بالدورِ الإيرانيّ في المنطقة وبِنُفُوذِ إيرانَ في بُلدانِ ما يُسمَّى بالهِلالِ الشيعيّ؟
ثالثاً: تحوُّلُ اهتمامِ الولاياتِ المتحدةِ عن منطقةِ الشرقِ الأوسطِ وتبدُّلِ تحالفاتِها السياسيَّةِ على خلفيَّةِ اكتشافِ النفط ِالصخريِّ الذي سيَجعلُ اميركا تتحكَّمُ بالسوقِ العالميِّ لعُقُودٍ مُقبِلَة ؟
رابعاً: وضعُ مسألةِ مُحاربةِ الإرهابِ في رأسِ قائمةِ اهتماماتِ الولاياتِ المتحدةِ بحيثُ تَفرِضُ نفسَها على العلاقاتِ مع روسيا والصين، فتنتقلُ الولاياتُ المتحدةُ الى تَزَعُّمِ كتلةٍ عالميَّةٍ تواجِهُ مُتَّحِدَةً خطرَ التَّطرُّفِ والإرهابِ على مُستوى الكُرَةِ الأرضيَّة؟
إنها تَسَاؤلاتٌ تَفرضُها التَّطوراتُ في عالمٍ سريعِ التغيُّر، فيما لبنانُ الرسميُّ يَنأَى بنفسِهِ عما يدورُ من حولِهِ ويعيشُ مُتَحَصِّناً في عالمِهِ الافتِراضِيّ.
