Site icon Lebanese Forces Official Website

بين “تنفيسة” و”لو كنت أعلم”

بعد أكثر من سنتين ونصف على بدء إندلاع الثورة في سوريا والقتال ضد جيش بشار الأسد بمجموعات شكلت جيشاً لا يقل عن ثلاثمئة ألف مقاتل، وبالرغم من كل الدعم الدولي المادي والمعنوي للثوار، باستثناء روسيا والصين، ما زال بشار الأسد وجيشه يفتكون بالقرى السورية والسوريين على كافة المحاور وفي كل النقاط الساخنة على الأراضي السورية.

في أواخر ثمانينات القرن الماضي، عندما كان الجيش السوري في عزّ قوته وكان حافظ الأسد مسيطراً على كامل الأراضي السورية ومعظم الأراضي اللبنانية، وُجد في لبنان من كان يملك بضعة مئات من الجنود، يريد تكسير رأس الأسد وتحرير لبنان، ومن بعدها تحرير سوريا.

بعد مرور سنوات عدّة، تبين أن كل ذلك، من البداية وصولاً الى “التنفيسة”، كان لمساعدة السوري على بسط سيطرته الكاملة على لبنان، وهذا ما برهنته الحوادث والمنحى الذي سلكته الأمور التي تلت تلك الحقبة، من العودة التي كان عرّابها اميل لحود، الى تعويم كل حلفاء سوريا وبالأخص، تغطية كل ما يقوم به “حزب الله” لتثبيت وتقوية دويلته على حساب مؤسسات الدولة تمهيداً للإستيلاء عليها.

في ستينات وسبعينات القرن الماضي أيضاً، وبالرغم من أن دولة إسرائيل كانت ما زالت فتية وحديثة العهد، ولم تكن تمتلك أسلحة دمار شامل. وبالرغم من أن الدول العربية إجتمعت كلها في حرب ضدها وعلى جميع الجبهات، إستطاعت وبدعم أميركي غير مسبوق، من صدّ الهجومات كافة وإحتلال سيناء في مصر لغاية إتفاق كامب دايفيد، والجولان في سوريا الذي ما زالت تحتله حتى اليوم، إضافة الى جنوب لبنان الذي إنسحبت منه في العام 2000، كذلك تهجير الفلسطينيين وإحتلال أراضيهم لبناء مستوطناتها.

في السنوات الأخيرة من الإحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، حصل ما يُشبه التمرد على الإسرائيليين في صفوف حليفهم جيش لبنان الجنوبي. القصة بدأت عندما تزايدت عمليات “حزب الله” على المراكز الأمامية، وكانت كلها تحصل عند وجود عناصر من الجنوبي فقط، ما دفع بعناصر هذا الجيش لرفض أي تبديل أو تواجد في تلك المراكز إلّا بوجود عناصر من الجيش الإسرائيلي.

كانت إسرائيل تعلم أن عقل هاشم، القائد الفعلي لجيش لبنان الجنوبي، لن يرضخ لتسليم سلاحه والإنسحاب من الجنوب. ومن طريقة إنسحابها كما حصلت، يتبين وبشكل واضح أن الإسرائيليين هم مَن سهّلوا عملية إغتياله.

إنسحب الجيش الإسرائيلي فجأةً من الجنوب اللبناني من دون أي تنسيق مع الجيش الجنوبي كما يفرض المنطق، وقد نتج عن ذلك إنتشار فوري لـ”حزب الله” مكان الإسرائيليين بكل سهولة، وترافق ذلك مع عرض عضلات وتعويم لا مثيل له على الساحتين اللبنانية والعربية لهذا الحزب. ما أعاد للذاكرة ما فعله الإسرائيليون في الجبل عندما إنسحبوا من مراكزهم وسلموها لمقاتلي “الحزب الإشتراكي”، ما ساعد هذا الأخير على قلب موازين القوى لمصلحته.

أيضاً حرب تموز التي إندعلت على خلفية خطف “حزب الله” لثلاثة جنود إسرائيليين وانتهت بـ “لو كنت أعلم”، والتخبط الإسرائيلي الذي رافقها، 28 يوماً في الكرّ والفرّ، ثم إجتياح وصل الى الليطاني في آخر يومين. كذلك ما ورد على لسان أحد مقاتلي “حزب الله” في حرب تموز من أنه لو إستمر القتال لمدة أسبوع آخر لما كان بقي معهم طعام وماء وذخيرة، وهو ما يُفسر طلب “حزب الله” المتكرر على لسان أمينه العام في كل إطلالاته الشبه يومية خلال تلك الحرب، من الحكومة اللبنانية والعرب، لأولوية العمل على وقف إطلاق النار قبل كل شيء، وقد ظهر ذلك جلياً في موافقة ورضوخ الحزب للقرار 1701 الذي يتضمن بنود تعجيزية لم يكن الحزب في وارد مناقشتها أو حتى السماح بطرحها.

كل ذلك وغيره، يدفعنا لوضع أكثر من علامة إستفهام على هذا السلوك الإسرائيلي المُحير، تجاه طرف من المُفترض أنه عدو ونشأ على أساس مقاومة الإسرائيلي وتحرير المقدسات الإسلامية في فلسطين، بينما نرى على أرض الواقع ما هو مغاير ومعاكس كلياً لذلك.

منذ إندلاع الثورة السورية ضد نظام الأسد، الحامي للحدود الإسرائيلة منذ إحتلال الجولان، تناسى “حزب الله” أن هناك عدواً إسمه إسرائيل، وهو لم يُطلق طلقة واحدة باتجاهه منذ الـ 2006، لا بل يسارع في كل مرّة الى نفي وإدانة أي إطلاق لصواريخ من الجنوب، ودفع بنخبة وحداته العسكرية الى الداخل السوري للدفاع عن بشار الأسد.

إذا كان مُمكناً إخلاء جبهة الجنوب بوجه العدو لسنتين ونصف، وإفراغها من المقاتلين الذين يقاومون اليوم عدواً جديداً، وإسرائيل لم تستغل هذا الوضع المُريح لها لتقوم بأي عدوان أو عمليات على الأراضي اللبنانية، والجيش اللبناني وقوات اليونيفل تتولى الأمن على الأرض في الجنوب، فما حاجة لبنان إذاً بعد اليوم لوجود ما يُسمى مقاومة؟ وما هو الهدف من وجودها غير السعي الى وضع اليد والسيطرة على لبنان بأرضه وشعبه؟

بين ميشال عون و”تنفيسة” حرب التحرير، وحسن نصرالله و”لو كنت أعلم” حرب تموز، دفع اللبنانيون وعلى كافة إنتماءاتهم السياسية والطائفية الكثير من الخراب والدمار والقتل والتشريد والتهجير، من جرّاء قرارات ومغامرات، تأكَدَ أنها عَميلة للأول، ويحوم حولها الكثير من الشكوك والشُبهات للثاني.

فيا شعب لبنان العظيم! ويا أشرف الناس! متى ستُدركون أننا لن نكون شعباً عظيماً وشريفاً إن لم تستيقظوا من سُباتكم الأعمى وتبعيتكم القاتلة لكم بالدرجة الاولى. ألم يحن الوقت بعد لتنتفضوا في وجه مَن يستغلوكم ويجعلون منكم متاريساً لأهداف لا ناقة لكم فيها ولا جمل، وتضموا جهودكم لجهود مواطنيكم الآخرين، من أجل بناء دولة قوية وعادلة مع جميع أبنائها ليعيشوا في ظلها بسلام ووئام؟

اللهم نجنا من هكذا مسؤولين عاثوا فساداً وخراباً في مجتمعاتهم، ولم يتعلموا شيئاً من أمثالهم الذي ذهبوا الى مزابل التاريخ، وهم على خطاهم سائرون.

Exit mobile version