“قل لمن يدعي في العلم معرفة
حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء”
(أبو نواس)
أذكر بوضوح يوم تدشين خط التماس في شارع سوريا، شريان طرابلس الإقتصادي، ومصدر رزق السنّة والعلويين وحتى بعض المسيحيين. تحول الشارع فجأة إلى ساحة للقتل والتدمير وقطع الأرزاق.
كانت في بداية سنة 1976 وقيل لنا يومها ان حافظ الأسد يتآمر على المقاومة الفلسطينية لمصادرة قرارها الوطني المستقل، ولم افهم لماذا تجمع علويون ليتآمروا على القرار الوطني الفلسطيني في مواجهة آخرين سنّة يدافعون عن ذاك القرار الذي أصبح اليوم في خبر كان.
الغريب هو أن كثيرين من العلويين يومها قاتلوا ضد حافظ الأسد، وكان آخرون من السنّة ضد ياسر عرفات. والمفارقة هي أن آمر مجموعتنا كان علوياً وكنا نتندر عن اسمه المطابق لاسم رئيس الحزب العربي الديموقراطي!
كنا نتحاشى ونرفض تسمية الطوائف بأسمائها! فكنا إما وطنيين أو عملاء وإما يساريين أو يمينيين… ولم نكن لا سنّة ولا علويين، ولا مسلمين ولا مسيحيين!
لست أدري اليوم إن كان بإمكاني القول “سقى الله تلك الايام” لأن الواقع اليوم ما هو إلا ابن تلك الأيام. ولكن، وككل الصراعات التي تطول بالزمن، وتتشعب بالتدخلات، وتتغير فيها أدوات اللعبة، تختفي أسس الصراعات من الذاكرة لتحل معها الوقائع اليومية والتجارب الشخصية وفوقها الآلاف من الأساطير والأفكار المسبقة والهواجس والأحقاد.
كما أن التركيبة الإجتماعية والإقتصادية تصبح مبنية على اساس وجود هذا الصراع وتجعل أرزاق البعض مرهونة لديمومة هذا الواقع.
يضاف إلى ذلك، ان طرابلس ليست جزيرة في البحر، فهي تتأثر وتتفاعل سلباً وإيجاباً مع الوضع العام في لبنان. ولبنان ليس قلعة مسورة، فهو كما تاريخه مشرع الأبواب لكل التأثيرات الإقليمية والدولية… من هنا تكمن صعوبة، لا بل استحالة، المعالجة الحصرية بطرابلس دون المناطق الأخرى.
من الحلول المطروحة والفعالة نظرياً هي ما قلناه حول “طرابلس منزوعة السلاح”.
بالطبع، فلو نُزع السلاح فإن التراشق بالشتائم أو الحجارة يصبح أقل ضرراً. ولكن هل بالإمكان سحب السلاح من جبل محسن وهو قطعة من سوريا حسب قول بشار الأسد وموقع من مواقع المقاومة والممانعة المحمية من قبل “حزب الله” المهيمن عملياً على جزء كبير من القرار الرسمي اللبناني؟ ولنفرض أن هذه المسألة المستحيلة تم حلّها، فبماذا نقنع المسلحين على الطرف الآخر، وبعضهم يعتبر نفسه جزءاً من معادلة تمتد على مدى الأمة الإسلامية، وآخرون يربطون سلاحهم باستمرار سلاح “حزب الله”، وكثيرون يرتزقون بطريقة أو بأخرى من الواقع القائم. والملاحظ هو أن هذا الإرتزاق تمدد ليشمل حتى بعض من هم موكلون بحفظ النظام في عملية يختلط فيها المذهبي بالمال وتجارة الأسلحة.
في الوقت نفسه ليس خافياً على أحد أن نظام الأسد ترك العديد من العملاء النائمين داخل الأجهزة الإدارية والأمنية مما يسهل له العبث بفعالية في القرار الوطني وبالتالي إفشال أي مخطط لمجرد احتواء دورات العنف بانتظار الحلول الطويلة الأمد.
من المفيد أيضاً النظر بتجرد إلى الخطط الأمنية “الجدية” التي تمت تجربتها على مدى الست سنوات الماضية، فهل تمكنت أي منها من احتواء كامل لإمكانية انطلاق العنف مؤقتاً، وإن حصل فكم من الوقت؟ الجواب واضح فكل الخطط كانت عملياً بالتوافق مع قوى الأمر الواقع ولم يتم القبض على مرتكب واحد، وإن قُبض عليه فلا يصل إلى المحاكمة.
جميل اليوم أن تصدر مذكرات توقيف بحق حاملي السلاح، وبحسب المعادلة الوطنية المقدسة، أي – مكرر، وقد يقبض على بعضهم أو كلهم! ولكن ماذا سيفعل الأمنيون إن أشعل ذلك بحد ذاته المعارك والجبهات، أو قوبلت الإجراءات بمقاومة مسلحة استدعت رداً مناسباً ومن سيتحمل تبعات هذا الرد إن أدى إلى سقوط ضحايا أو دمار بيوت؟ ومن سيمنع الناس من القول إن الدولة تتغاضى عمّن يحمل السلاح وينقل راجمات الصواريخ ويُدخل عناصره إلى سوريا بالآلاف ويعتقل ويخطف وينصب الحواجز ويُغفر ذنبه لأنه “شيعي” تحت عباءة الولي الفقيه وشعار المقاومة، ويستهدف سنياً يحمل مسدساً أو رشاشاً أو حتى قاذفة صواريخ “يدافع بها عن بيته وعرضه وكرامته”.
ماذا سيقال عمّن قتل سامر حنا بدم بارد وخرج بكفالة دون أن تتم محاكمته؟ ماذا عن قتلة العسكريين في البقاع الذين هربوا بتغطية من “حزب الله”؟ ماذا عن المتهمين باغتيال رفيق الحريري؟ ماذا عن الذين قتلوا الجرحى في القصير؟ ماذا عن خاطفي الاتراك الذين أصبحوا أبطالاً قوميين…؟
مشهد سوريالي لا شك، وأنا، “معاذ الله”، لا أريد تكبير الحجر حتى يستحيل حمله، وأتمنى المعجزة التي تعزل مدينتي على الأقل عن دوامة العنف، وبالتالي فإن تقصير الدولة يقع في عدم فضح المتورطين في لعبة الدم وفي استمرار السماح بتسرب السلاح والذخائر عبر القوى الأمنية.