#adsense

.. ويعود السفير السوري الى “خارجيته”

حجم الخط

 

.. وبعد السفير السوري سيزوره اليوم السفير الروسي، “الهواء” مفتوح لهما ولزميلهما السفير الإيراني ولهؤلاء الثلاثة الحق الحصري بالتصريح أو أنه يُسمح لهم بالتصريح قدر ما يشاؤون.. إنه طبعاً منبر وزارة الخارجية المرحِّب بالممانعين، فالسفراء لن يجدوا صدراً أرحب من صدر وزير خارجية لبنان مهما جالوا في عالم الديبلوماسية والسفارات، حتى بات المثل يُضرب به “المنبر الممانع بيساع ألف محب”.. لكنّ الوزير ليس بحاجة الى الألف، لأن السفير السوري وحده “بيكفّي وبيوفّي” قولاً وفعلاً وتمثيلاً للنظام الأسدي الكيماوي، و”شايل” فرق سكوت السفير اللبناني في سوريا من حيث الدفاع عن لبنان وحرصه على حقوقه.

وعلي عبدالكريم علي أكثر شهرة من ميشال الخوري، واسمه متداول حتى حفظ اللبنانيون اسمه ونسوا سفيرهم، وذلك طبعاً بفضل وزارة الخارجية التي تكرّس يومياتها لتسويق أفكار حزب “البعث السوري” وتتناسى معاناة اللبنانيين على الحدود واللبنانيين خلف الحدود وخلف قضبان سجون آل الأسد. وإن كان الموضوع يتناول زيارة السفير الى الوزير فلا بدّ أن يعرّج القارئ على “حُسن ضيافة” الخارجية.. في الواقع، يبدو أن الخارجية اللبنانية باتت تشبه المدرسة، التي يعتبرها التلميذ بيته الثاني، إلا أن السفير في بيته الثاني يعلّم ولا يتعلّم، ولا حاجة للتذكير في كل مرة بأن “عيون اللبنانيين على القلوب شواهد”.

قلب السفير السوري دليله الى وزارة الخارجية وهو يقوده دوماً الى هناك، لكنه هذه المرة كان غاضباً. سؤال وجّهته إليه صحافية حول استهدافه أغضبه، مجرّد سؤال يحقّ لأي شخص طرحه يمكنه أن يُغضب السفير، فما هو يا ترى شعور الأهالي الذين طرحوا ويطرحون آلاف الأسئلة لأزلام النظام السوري منذ 30 سنة حتى اليوم حول اختفاء أبنائهم داخل السجون السورية؟

وموضوع المعتقلين (وليس المفقودين لأن مكانهم معلوم) في السجون السورية أوقع السفير السوري في حيرة من أمره، ظهرت من خلال تعابير وجهه ولا بدّ أنه صُعق حين سمع السؤال التالي: “هناك دعوات لخطفك مقابل الإفراج عن المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، ما هو رأيك؟” فلا شكّ بأنها من المرّات النادرة التي يتفوّق فيها السؤال على الإجابة لأن هذا السؤال تحديداً تسبَّب بإحراج السفير لأسباب عدة، منها ديبلوماسية ومنها ممانِعة.

القصة أساساً كانت تتجه نحو طرد السفير السوري من لبنان، والحقيقة بأن اختطافه، وهو تشبيه رمزي لما جرى بين الأتراك ومخطوفي أعزاز، لن يردّ المعتقلين في سوريا، إضافة الى أن مخطوفي أعزاز تسعة بينما المعتقلون اللبنانيون 546 وأكثر، واختطاف النظام السوري بأسره لا يوازي، لا كماً ولا نوعاً، قيمة وأهمية من دافعوا عن لبنان بوجه عدوّ الشعوب.

ووجد السفير السوري في هذا السؤال قلّة احترام، معتمداً أسلوب المترفّع عن الردّ، فهو طبعاً لا ينزلق الى مستوى ردود من هذا النوع، خصوصاً أنه لا يتدخّل في الشأن اللبناني ولا يحشر تصريحاته من “الخارجية” بكل شاردة وواردة.. وأكثر من ذلك فإن السفير السوري حريص على صحة اللبنانيين، وخائف من تأثير الكيماوي عليهم! فهل من سكت عن نظامه الذي ضرب شعبه بالكيماوي سيخاف على لبنان وعلى مصلحة اللبنانيين؟ فعند سؤاله عن “صحة إشاعة طمر الكيماوي”، بادر بالردّ “لا مجال للكلام في الشائعات وبأن سوريا حريصة على لبنان كحرصها على نفسها، وأن سوريا تنجز ما ينعكس أماناً لها وللبنان”.

نعم، من الخارجية اللبنانية يتحدث علي وكأنه متحدث باسم نظامه الوصي على لبنان، وكأن النظام السوري هو الرجل الراشد الذي يملك من الحكمة ما يكفي ليدير بلدين وشعبين ويوجّه السلطة نحو الطريق السليم.. وكأن الحكم وُجد أساساً لهذا النظام الراشد! والحقيقة أنه نظام فاقد الرشد، غير قادر على تسوية أموره وعلى إرضاء شعبه ولهذا اختار الطريق الأسرع لإرضاء عنجهيته بقتل الشعب بكل الطرق. لهذا ولأن الدولة اللبنانية يرأسها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وفيها بعض الوزراء في الحكومة المستقيلة المتحررين من الممانعة، لذا هم وحدهم يقررون في هذا الشأن اللبناني الصحي الاجتماعي الخالص.

وبالعودة الى السؤال الذي أثار غضب سفير النظام السوري، تحوّلت إجاباته عن الأسئلة الى “مختصر مفيد” وكأن همّه كان “التخلّص” من الصحافيين ومغادرة المكان. ورفض بطريقة غير مباشرة الاجتماع برئيس جمعية المعتقلين في السجون السورية مجيباً بأسلوب “في ما مضى”، ما يعني أن النظام السوري أقفل الباب على أي اجتماع متعلّق بالمعتقلين، وانسحب من الردّ وسحب الموضوع من التداول في الخارجية بقوله “لا نريد الكلام الذي يقصد منه التهويل!”.

لكن هذا السؤال لم يكن الأخير الذي أفقده سيطرته على أعصابه، وعمّا إذا كان هناك من مانع من إعادة النظر في هذه القضية الآن، اتّجه السفير الى تبرئة النظام السوري من جرائم اعتقالاته وكل ما ارتكبه هذا النظام بحقّ لبنان منذ 30 عاماً، قائلاً “بعض الكلام الذي لا يستند إلا الى الأوهام سوريا غير معنية به”! وهل خروج بعض المعتقلين في العام 1998 من أقبية النظام السوري هو وهم؟ وهل حديث هؤلاء لبنانيين عن معتقلين معهم وذكرهم بالأسماء هو وهم أيضاً؟ .. سيبقى النظام السوري واهماً الى أن يمنعه وهمه من الإدراك: هل “سيُطمر” النظام السوري قبل “فضلاته” الكيماوية أم بعدها؟.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل