#adsense

مسلسل النفط والغاز

حجم الخط

موضوع النفط والغاز هو بمثابة مسلسل فكاهي ومأسوي في الوقت ذاته. لنبدأ بالوقائع والحقائق قبل ان ننتقل الى الخطوات المطلوبة وتوقيتها.

– منذ عام 1975 ظهرت أرجحية توافر النفط والغاز في المياه الاقليمية الممتدة ما بين البترون وطرابلس ووضع التقارير عنها الدكتور غسان قانصوه والدكتور زياد بيضون وكلاهما من خبراء العلوم الجيولوجية.

– عام 1975 وجه وزير النفط الاستاذ غسان تويني والهيئة المسؤولة عن شؤون النفط دعوة الى الشركات العالمية للاشتراك في مناقصة للتنقيب عن النفط في المناطق البحرية.

تقدمت ثماني شركات بعروض مختومة لم تفتح لان التاريخ المحدد لفتحها سبقته اشتباكات عنيفة في مخيم نهر البارد الذي لا يبعد سوى مئات الامتار عن مصفاة طرابلس حيث كان يفترض فض العروض واتخاذ القرار في شأنها، الامر الذي لم يحصل والرصاص يلعلع.

– سعر برميل النفط الخفيف، المناسب للتكرير لكفاية حاجات لبنان كان قد ارتفع من 2,2 دولارين للبرميل قبل حرب تشرين الأول 1973 الى 11,2 دولاراً للبرميل بعد القطع العربي الجزئي لتسليمات النفط الى الولايات المتحدة وهولندا اللتين ناصرتا اسرائيل خلال حرب 1973.

– المصفاتان القائمتان في لبنان: كانت الطاقة النظرية لمصفاة طرابلس 22 الف برميل يومياً، وطاقة مصفاة الزهراني 18 الف برميل يومياً، وقد توقفتا عن العمل تباعا خلال الفترة حتى عام 1978. طوال الفترة الممتدة من 1973 الى 1978 كانت مصفاة طرابلس تتزود النفط العراقي الخفيف بالاسعار السائدة قبل ارتفاع الاسعار أي ما كان يساوي منحة عن كل برميل توازي تسعة دولارات. ولو افترضنا تكرير 30 الف برميل يوميا، كان الوفر اليومي 270 الف دولار أي ما يوازي 100 مليون دولار سنويا في ذلك الوقت. هذا الوضع كما فاعلية استخدام المشتقات في انتاج الكهرباء ساعدا الحكومة اللبنانية على الاستمرار في تحقيق فوائض في الموازنة حتى عام 1981 وقد تمنعت الحكومات المتعاقبة عن زيادة سعر البنزين.

– باتت أسعار النفط على مستوى 100 دولار للبرميل والمصفاتان متوقفتان واستهلاك لبنان يساوي ستة ملايين طن سنويا، وكميات النفط الخام المطلوبة لانتاج هذه الكمية وتكريرها توازي 120 الف برميل يومياً، وليست لدينا معامل تكرير، وان كنا نتحمل تكاليف تسيير المنشآت بمبالغ تزيد عن الحاجات الواقعية.

– تزايد الاهتمام البيئي في العقدين المنصرمين وانعقدت مؤتمرات دولية تهدف الى خفض نسب التلوث، ومن التوصيات الملحة لهذه المؤتمرات حث الدول على الانتقال من انتاج الكهرباء من الفحم الحجري والفيول أويل الى استعمال الغاز الطبيعي. والغاز اكتسب قيمة تجارية مع ارتفاع أسعار النفط، وصار سلعة مطلوبة، وتقنيات نقل الغاز بحراً تطورت، وفي الستينات والسبعينات كان الغاز المخالط لانتاج النفط يحرق.

وفي المناسبة كان لبنان يملك، عبر بنك انترا وبفضل طليعية المرحوم يوسف بيدس، شركة لاسيوتا لتعمير سفن نقل الغاز السائل، وموقعها في جنوب فرنسا، وهي كانت أول من صنع سفن نقل الغاز الجزائري بعد تحويله الى غاز طبيعي سائل. لم تكن ثمة شركة منافسة لشركة لاسيوتا سوى شركة كوكومز في أسوج، وقد فرطنا في هذه الملكية وملكيات كثيرة ثمينة عندما قررت السلطات ايقاف بنك انترا عن العمل وتحويله شركة مساهمة، وهذه الخطوة المتخذة عام 1966 افقدت لبنان أهم امتداد دولي في شمال أميركا وجنوبها وسويسرا وفرنسا وبريطانيا والمانيا وايطاليا.

بداية السبعينات اكتشفت مصر النفط في سيناء، وبعد النجاح في حرب التحرير واستعادة سيناء، حققت اكتشافات للغاز وخصصت الكميات الاولى للاستعمال الداخلي. ومنذ نحو خمس سنوات انجزت خطأ ينقل الغاز الى الاردن فسوريا وعبر الوصلة القائمة الى شمال لبنان.

الفلسطينيون بدورهم، وبمبادرة من شركة النفط البريطانية وبمساهمة من اصحاب شركة اتحاد المقاولين CCC، حققوا اكتشافات ملحوظة للغاز في البحر قبالة غزة، لكن الاسرائيليين لم يسمحوا بتطوير الحقل والانتاج منه ما لم تخصص الحصة الاولى لاستعمالهم. وحيث ان شركة النفط البريطانية لا تخضع لايحاءاتهم، أوقف انتاج هذا الحقل ولا يزال، واية اتفاقات فلسطينية – اسرائيلية مستقبلاً لا بد ان تتناول هذا الموضوع.

لبنان بسبب تأخره في اقرار وتنفيذ سياسات متكاملة لاستعمال الطاقة وترشيد استهلاك المشتقات وترسيخ استعمال الغاز في انتاج الكهرباء، صار يدفع فاتورة باهظة توازي 2,2 ملياري دولار توفر من الخزينة لتغطية عجز كهرباء لبنان، والاهم ان الشعب اللبناني الذي بدأ يعتمد على توافر الكهرباء من المولدات الخاصة يدفع ثلاثة مليارات دولار اضافية سنويا لتأمين الكهرباء لتسيير الفنادق والمستشفيات وبرادات المنازل لحفظ الاغذية الخ.

بالمقارنة مع لبنان، بدأت اسرائيل البحث والتنقيب عن النفط والغاز قبل ثماني سنوات وحققت اكتشافات ملحوظة منذ خمس سنوات واكبر حقل للغاز في المياه الممتدة قبالة اسرائيل والذي سمي Leviathan اي العملاق يمتد الى المياه الاقليمية اللبنانية. ومنذ فترة قريبة توصل الاسرائيليون الى اكتشافات نفطية ملحوظة.

قبرص باشرت البحث عن الغاز قبل سنتين ونجحت المحاولة الاولى في اكتشاف حقل واعد. بدأ العمل بحفر البئر الثانية ويتوقع القبارصة الاستفادة من الغاز المكتشف لديهم خلال خمس سنوات، وعلى الارجح سينجز الاسرائيليون خطأً لنقل الغاز الطبيعي الى قبرص بقصد تسييله وشحنه من هناك.

أمام الكلفة الباهظة لاستهلاك الكهرباء، واستيراد مشتقات النفط، واذا جمعنا تكاليف استيراد المشتقات التي لا تستعمل لانتاج الكهرباء، مع عجز الكهرباء العام وانفاق العائلات على اشتراكات المولدات، تصير كلفة توافر الطاقة للبنانيين على مستوى 9 – 9,5 مليارات دولار سنويا، أي ما يقرب من 18 – 20 في المئة من أرقام الدخل القومي. مع نسبة كهذه للتكاليف لن يستطيع لبنان الاستمرار في التنافس الصناعي والسياحي، ما لم ينجح في تخفيف تراكم العجز في الموازنة.

هل نيأس؟
مطلوب بضع خطوات تصحيحية في أقرب فرصة.
– بدء مد خط لنقل الغاز من الشمال الى الجنوب لتغذية مصفاتي نهر البارد والزهراني، ومصانع الاسمنت والاسمدة، ويكون الوفر المتحقق في حدود مليار دولار سنوياً.

– الشروع في ترميم وتوسيع وترفيع منشآت تكرير النفط بحيث نحصل على طاقة تسمح بانتاج ستة ملايين طن من المشتقات خلال سنتين. والكلفة التي يمكن ان يتحمل القطاع الخاص النسبة الكبرى منها لا تزيد على ملياري دولار، والوفر يكون على مستوى 600 – 800 مليون دولار سنويا.

– التعاقد على استقدام مصانع لاستقبال الغاز الطبيعي السائل وهذه يمكن توافرها بسرعة لان عدداً من هذه المصانع انجز في الولايات المتحدة صار فائضاً عن حاجاتها. فانتاج الغاز من صخور الطفال بات يكفي الحاجات المحلية، والوضع في الولايات المتحدة يحتاج الى انشاء مصانع لتسييل الغاز الطبيعي السائل وخفض اسعار تسليمات الغاز، الامر الذي يمكننا من استيراد الغاز باسعار ملائمة.

في الامكان تحقيق استيراد مصنع لتحويل الغاز السائل الى غاز طبيعي خلال 18 شهراً وعندئذ نستطيع توفير أكثر من مليار دولار اشير اليها في صدد مد خط الغاز.

– من أجل اكفاء حاجات اللبنانيين، علينا انشاء مصنع لانتاج الكهرباء يعتمد الغاز كلقيم بطاقة 2000 ميغاوات ويمكن انجازه خلال 30 شهراً وبكلفة 1,8 مليار دولار.

وتالياً وبعد انقضاء ثلاث سنوات نكون قد توصلنا الى تحقيق وفورات تتجاوز اربعة مليار دولار سنويا (ما بين عجز الكهرباء حالياً وتكاليفها للقطاعين العام والخاص، وتكاليف انتاج الاسمنت والاسمدة، وتكاليف استيراد المشتقات).

الصورة المرسومة ليست مستحيلة التحقيق، وخصوصاً اذا اشركنا القطاع الخاص في الخطوات المطلوبة. ويبقى السؤال هل يستطيع لبنان بنظامه المذهبي اقرار مشاريع النفع العام؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل