#adsense

رحم الله لبنان الطائف.. ورينيه معوض ورفيق الحريري..

حجم الخط

أشعر بتعاطف شديد مع الطبقة السياسية اللبنانية وعموم الشعب اللبناني بسبب الأوضاع الإقليمية والدولية.. وبالتالي أشعر بتعاطف شديد مع نفسي أيضاً.. وخصوصاً أنّنا ذهبنا طوعاً إلى عمق الحرائق والأزمات التي تحيط بنا.. رابطين مصيرنا كأفراد وكجماعات وكوطن بما يدور حولنا دون أن يكون لدينا أي إرادة بالحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه إقتصادياً وإجتماعياً وسياسياً وأمنياً وقانونياً ودستورياً..

تشرّفنا بالأمس باستقبال الموفد العربي والدولي الأخضر الإبراهيمي.. قادماً من سوريا.. باحثاً عن عقد ما يُعرف بجنيف2 السوري.. وطبعاً الإبراهيمي دبلوماسياً من مواليد لبنان.. إذ ارتبط اسمه باتفاق الطائف للعام 1989.. وصادف مجيئه في ذكرى ميلاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري الــ 69 في 1 تشرين الثاني.. وقبل الخامس من تشرين الثاني ذكرى تصديق النواب اللبنانيين على وثيقة الوفاق الوطني وانتخاب الرئيس الشهيد رينيه معوض رئيساً للجمهورية في مطار القليعات.. وبذلك يكون قد جمع بين رُكنيْ اتفاق الطائف.. رينيه معوض ورفيق الحريري.. اللذين استشهدا دفاعاً عن سيادة لبنان واستقرار لبنان..

إنّ اختيار الثاني والعشرين من تشرين الثاني.. يوم الإستقلال في العام 1989.. لاغتيال رئيس الجمهورية اللبناني المنتخب على أساس الطائف كان رسالة واضحة كي لا يحلم اللبنانيون بالسيادة والإستقلال.. ودخلنا مرة أخرى تحت إدارة الأزمة.. وكان ما كان من إنتخاب رئيس جديد وسنوات طوال من افتعال الأزمات إستطاعت خلالها الطبقة السياسية اللبنانية أن تتأقلم بين إدارة الأزمة وحلم الخروج من الأزمة.. وكان رفيق الحريري العنوان الأساس لهذه الإرادة في بناء الدولة وإعادة الإعمار.. بالإضافة إلى قوى سياسية أخرى ذهبت باتّجاه تحدّيات أخرى ومنها مواجهة الإحتلال..

أُغتيل رفيق الحريري بعد 15 عاماً من اغتيال رينيه معوض بعد ما عُرِف بباريس2 وتأكيد أصدقاء لبنان من العرب والدوليين.. بأنّ الدولة اللبنانية قاربت من إكتمال عناصرها بعد عودة كلّ القوى السياسية إلى المشاركة في إدارة الدولة بعد انتخابات عام 2000 الشهيرة.. وتكوين إرادة سياسية جديدة في مواجهة إدارة الأزمة والحفاظ على الإنجازات المتحقّقة..

يأتي الإبراهيمي وقد نسي إتفاق الطائف وتفرّعاته.. ونسي اللبنانيون معه أيضاً ذلك الإتفاق الذي أمّن حتى الآن أطول فترة إستقرار سياسي وإقتصادي وإجتماعي في تاريخ لبنان الحديث.. منذ الإستقلال حتى الآن..

يعرف السياسيون اللبنانيون كما يعرف الإبراهيمي أنّ إتفاق الطائف ما كان ليكون لولا الإرادة العربية المتمثّلة باللجنة الثلاثية المنبثقة من قمة الرباط وقوامها المغفور لهم الملك فهد بن عبد العزيز والملك حسن الثاني والرئيس الشاذلي بن شديد.. والذين دعوا إلى لقاء اللبنانيين في الطائف في 30 أيلول من العام 1989.. بعد عشر سنوات من العملانية والجهد الدؤوب للرئيس الشهيد رفيق الحريري من أجل تحقيق حلمه في إنهاء النزاع في لبنان..

تأتي زيارة الإبراهيمي أيضاً عشية إنعقاد مجلس الجامعة العربية غداً في 3 تشرين الثاني في القاهرة لتحديد الموقف النهائي من جنيف 2.. وتقرير مصير مهمة الإبراهيمي لأنّه في الأساس كان موفداً من الجامعة قبل تنحّي كوفي أنان من مهمته بعد جنيف1.. ولدى الجامعة العربية مجموعة من القرارات والتّوجهات التي ترى فيها حلاّ للأزمة السورية.. وأهمّها هو التّفسير الواضح لجنيف1 ومدى إلتزام مجلس الأمن به..

ويُصادف أيضاً في 3 تشرين الثاني زيارة وزير الخارجية الأميركي إلى السعودية قبل إنعقاد مجلس الجامعة مساء نفس اليوم في القاهرة.. وإنّ العرب لا يرون إمكانية لإنعقاد جنيف2 إلاّ من خلال صدور قرار من مجلس الأمن متضمّناً وقفاً لإطلاق النار.. وإيفاد قوات دولية للمراقبة وتحديد مهلة زمنية وتفسير واضح لجنيف1..

ويعرف الإبراهيمي أيضاً أنّ التّطوّرات الإقليمية والدولية خلال الأسابيع الماضية كانت متحرّكة بسرعة وشهدت تحوّلات كبيرة بعد ما عُرِف بالكيماوي السوري وصدور قرار مجلس الأمن رقم 2118 فيما يخص تفكيك السلاح الكيماوي في سوريا.. وكان ذلك القرار الأول لمجلس الأمن في الأزمة السورية.. بعد أن إستخدِم حقّ النقض مرات عديدة..

يعرف الإبراهيمي أيضاً أنّ هناك تطوّراً في المشهد العربي بعد الحدث المصري الأخير وتغيير السلطة في مصر وظهور محور عربي جديد متمثّلاً بمصر والسعودية والأردن والإمارات والكويت.. وما لدى هذا المحور من توجّهات إستراتيجية جديدة غير متوائمة مع التّوجهات الأميركية في المنطقة.. وسقوط معادلة 99% من أوراق المنطقة بيد أميركا.. ومنها الموقف السعودي الرافض لعضوية مجلس الأمن بسبب إنحيازه ضد القضايا العربية.. في فلسطين وسوريا.. وأسلحة الدمار الشامل في المنطقة.. وهذه إحدى تجليات هذا المحور الجديد والذي كان من نتائجه أيضاً تجميد المساعدة الأميركية لمصر..

يعرف الإبراهيمي الآن ما كنّا نجهله قبل أشهر.. منذ بداية أزمة ما عُرِف بــ «سنودن» المسؤول في الأمن القومي الأميركي والذي التجأ إلى روسيا.. وكلّنا قد تجاهلنا هذا الحدث رغم أنّنا جميعاً عشنا تفاصيل ما عُرِف بــ «وكيليكس « وكيف نشرنا تفاصيل أحاديثنا عن بعضنا مع السفراء الأميركيين.. ولم نحاول رغم ذلك أن نسأل ماذا لدى سنودن.. حتى ظهرت في الأسبوع الماضي بعض ملامح ما لديه وهي التّنصّت على حلفاء أميركا من القادة والسياسيين والمؤسسات المالية والصناعية والتجارية..
أعترفُ بأنّني تابعتُ السياسية الخارجية الأميركية في الأشهر الماضية بجهلٍ كبير.. وحاولتُ أن أفسّر دبلوماسية أوباما بما هي صياغة جديدة للعلاقات الدولية ما بعد الأحادية الأميركية.. إلاّ أنّني أعترفُ بأنّ هذه السياسة.. وخصوصاً الإنفتاح على روسيا.. والإبتسامات والتّنازلات الكثيرة لوزير خارجية أميركا.. جون كيري مع صديقه لافروف وزير خارجية روسيا.. لم تكن إلاّ تداركاً لما لدى سنودن الموجود في روسيا.. لأنّ الرئيس الأميركي وإدارته من جهة.. ومعارضيه من الحزب الجمهوري من جهة أخرى.. كانا يعلمان ماذا لدى سنودن ويتصرّفان على هذا الأساس في السياسة الخارجية وفي الأزمة الإقتصادية الداخلية.. مما قد يدخل الرئيس أوباما وإدارته في أزمة تشبه «ووتر غيت» والتي أدّت إلى تنحي الرئيس نيكسون..

إنّ التواضع هو الأمر الوحيد الذي قد يحمل بارقة أمل للبنانيين جميعاً بعد أن دخلوا في ذلك الأتون الكبير من السياسات الإقليمية والدولية الكبرى.. والتي تشكّل سوريا إحدى أهم ساحاتها الآن.. والتّواضع لم يكن في يوم من الأيام ميزة لبنانية.. ويبدو ذلك جلياً في الخطاب السياسي الذي يتجاهل الفوضى الأمنية التي تعمّ لبنان.. والأزمة الإقتصادية والإجتماعية والأخلاقية وانهيار المؤسسات الدستورية والأمنية والقضائية.. على قاعدة الأوهام اللبنانية القديمة الجديدة بأنّ المشكلة في النصوص الدستورية.. إذ يدور الحديث لدى معظم الفرقاء اللبنانيين عن نظام جديد.. بينما الحقيقة كما كانت دائماً أنّ الأزمة في النفوس والطبقة السياسية وليست في النصوص الدستورية التي لم تحترمها الطبقة السياسية يوماً.. ولذلك سيبكي اللبنانيون كثيراً على الطائف وعلى الإبراهيمي وعلى أصدقاء لبنان من العرب والدوليين.. وسيبكون كثيراً على أنفسهم..
رحم الله لبنان الطائف.. ورينيه معوض.. ورفيق الحريري..

المصدر:
اللواء

خبر عاجل