لم تتأخر كثيراً “احتفالات” المقاومين والممانعين اللبنانيين بـ “الانتصار” الذي أعلنه الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله في حربه في سوريا، وتالياً دعوته الخصوم في لبنان والسعودية وغيرهما من دول المنطقة والعالم الى الاعتراف بالهزيمة ورفع الأعلام البيضاء.
أبرز هذه “الاحتفالات” صخباً كان اعلان رئيس “الحزب العربي الديموقراطي” علي عيد، في مؤتمر متلفز ومن داخل الأراضي اللبنانية، أنه يتحدى الدولة بأجهزتها الرسمية كلها، فضلاً عن قضائها وأمنها وكل من يعنيه الأمر، أن تحقق معه (أو حتى أن تسأله كما تنص مذكرة الجلب بحقه) عن دوره في تهريب أحد المتهمين بتفجيرات مسجدي “السلام” و”التقوى” في مدينة طرابلس وقتل نحو خمسين من المصلين فيهما قبل أسابيع.
“أنا جندي من جنود بشار الأسد”، قال عيد في سياق تحديه الدولة اللبنانية، ولأن المرحلة مرحلة “انتصار” في سوريا ولبنان وحتى في المنطقة كلها، بدليل ما قاله نصر الله عنها، فليس وارداً ولا معقولاً من وجهة نظره أن يقف “المنتصر” بين يدي “المهزوم”… فضلاً عن أن يكون الأول متهماً والثاني في موقع من يسأله أو يحقق معه!.
ولا حاجة الى الدخول في التفاصيل التي تحدث عنها عيد، ولا تحديداً في ما قاله عن جهازي القضاء والأمن و”احتمالات” مثوله الرباني أمام التحقيق، لأنه يعرف كما غيره في محور ما يسمى “المقاومة والممانعة” معنى ما قاله نصر الله عندما هدد الخصوم بأن الوقت ينفد، وبأنه قد لا يكون وارداً أن يقبل “المنتصرون” غداً بما يمكن أن يوافقوا عليه في الوقت الحاضر.
يأتي بعد ذلك الرقص على ايقاع “مؤتمر جنيف2″، في ظل ما حاول المقاومون تبليعه للبنانيين عن سياسة “النأي بالنفس” خلال الفترة الماضية، وضرورة مشاركة لبنان في هذا المؤتمر أياً كانت الظروف وأياً كانت النتيجة التي قد ينتهي اليها. والأنكى قول أحد قادتهم، انه على الرغم من نجاح هذه السياسة (متجاهلاً تورط “حزب الله” العلني في القتال الى جانب النظام)، فلا يجوز الخروج عليها أو التفريط بها حالياً بينما الأمور في سوريا تتجه نحو التسوية السياسية. كأن ما لم كان زوراً وبهتاناً باسم “النأي بالنفس” حتى الآن يمكن أن يصبح برداً وسلاماً على اللبنانيين الآن، أو كأن ما لم يكن صحيحاً عسكرياً بالأمس يمكن أن يشفع للمتورطين فيه فعلتهم السابقة أولاً ثم أن يشتركوا في حصد نتائجه السياسية اليوم أو غداً!.
يحدث هذا بينما لم توجه الى لبنان دعوة لحضور هذا المؤتمر، وبينما لم يتبين بعد ما اذا كان سيعقد أصلاً، وبينما تقول المعارضة السورية انها ليست معنية به ولا بحضوره ما دام مقاتلو “حزب الله” وغيرهم من مقاتلي العراق وايران يواصلون أعمالهم في قتل الشعب السوري وتهجيره من أرضه ومدنه وقراه.
وهكذا ينبري رئيس المجلس النيابي نبيه بري للقول ان على لبنان أن يشترك في المؤتمر، و”على من لا يريد ذلك أن يبقى حيث هو”.
ويتبرع وزير الخارجية عدنان منصور (ما غيرو صاحب اقتراح اعادة مقعد سوريا في الجامعة العربية الى النظام، ومجدداً تحت شعار “النأي بالنفس” ما غيرو) بالقول ان عدم الحضور يشبه كارثة تحل بلبنان بعد كارثة مئات الألوف من النازحين السوريين الى أراضيه. لكن الوزير المعني لا يعنيه السؤال عن عدد النازحين السوريين هؤلاء بسبب القذائف التي استهدفتهم من مقاتلي “حزب الله”.
لكن “الاحتفالات” هذه لم تقف عند حدود لبنان، بل تعدتها الى المنطقة كلها، مما يصفه المحتفلون بـ “هزائم” السعودية في مواجهة الولايات المتحدة من جهة، وتركيا وقطر اللتين تعيدان النظر في مواقفهما من النظام في دمشق وتعملان على الانتقام من الرياض بسبب دعمها للحكم الجديد في مصر ومناهضتها لـ “الاخوان المسلمين فيها وفي كل من تونس وليبيا من جهة أخرى”، الى “انتصارات” موسكو وطهران على واشنطن ودول الغرب عموماً في ملفي ايران النووي والحرب في سوريا، الى تراجع الجيش الحر عن مواقع كان يسيطر عليها لمصلحة “جبهة النصرة” أو “الدولة الاسلامية في العراق والشام” أو المقاتلين الأكراد في شمال سوريا وشرقها ووسطها.
ومن يتابع وقائع هذه “الاحتفالات”، اعلامياً من ناحية وعلى ألسنة المنظرين الممانعين من ناحية أخرى، لا يملك الا أن يقف مشدوهاً أمام حجم “الانتصار” الذي أعلنه السيد حسن قبل بدء الهمروجة بساعات فقط ونوعه وشموليته. ذلك أن ما تحقق في سياقه كان كونياً عن جد، لسبب بسيط يعود الى أن الحرب التي شنت ضد نظام الأسد كانت “كونية” بدورها منذ اللحظة التي نزل فيها فتيان درعا الى شوارع مدينتهم ليكتبوا ما وصف يومها بشعارات سوداء على جدران المدينة البيضاء.
هل يمكن لعاقل أن يتصور، أو حتى يجوز ايمانياً والهياً، أن تنتهي “الحرب الكونية” التي شنت ضد النظام السوري ومحور المقاومة والممانعة معاً من دون أن تكون هناك “انتصارات كونية” بدورها لمصلحة هذين النظام والمحور معاً كذلك؟.
يعلمنا التاريخ أن أحداً لا يملك أن يسأل المنتصرين عما فعلت أيديهم في أثناء الحرب.
وهذا على أقل تقدير ما يفعله المقاومون والممانعون اللبنانيون، وفي لبنان بشكل خاص، احتفالاً منهم بما يعتبرونه “الانتصار”… وأي انتصار موهوم هو ما يحتفلون به، فقط لحاجتهم الى الادعاء بأن معركتهم في سوريا (وطبعاً في لبنان) لم تكن خاسرة.