Site icon Lebanese Forces Official Website

ومن التهريب ما قتل!

كتبت باسكال بطرس في “الجمهورية”:

بدأت القطبة المخفية في جريمة مستيتا التي ذهب ضحيتها 4 قتلى بالظهور، إذ أكّدت مصادر أمنية لـ”الجمهورية” أن “القضية ليست خلافاً على فتاة، بل تتصل بتهريب السلاح، خصوصاً بعدما دهمت القوى الأمنية الشارع الذي وقعت فيه الجريمة والشوارع المجاورة، وعثرت على 6 سيارات كان في داخلها ما يقارب 60 قطعة سلاح”.

“أصبحت حياة الإنسان رخيصة جداً”. بهذه العبارات يختصر شهود عيان جريمة القتل المروّعة التي صبغت ليل الجمعة – السبت بالدماء حيَّ مستيتا الآمن، الذي خرقه إطلاق النار في منتصف الليل.

“الجمهورية” توجّهت إلى مكان الحدث صباح السبت، وتواصلت مع السكّان الذين عاشوا لحظات من الرعب والخوف والصدمة.

لم تعد مسألة تفشّي السلاح في المجتمعات اللبنانية مجرّد ظاهرة، بل تعدّت ذلك لتقارب مفهوم الثقافة المعتمدة من قِبل بعض الأفراد والأُسَر، لفَضّ النزاعات أو لتدعيم الحضور على الساحة. البعض يستخدمها للتخويف، فيما البعض الآخر ينتهز فرصة الضغط على الزناد عند أوّل مشادّة كلامية، لتغدو العناصر في المشهد: ضحايا وترويع و”طفّار” أو خارجون عن القانون.

“عشنا خلال عشر دقائق من الوقت ما يشبه الأفلام البوليسية”، تروي ريما التي تسكن في الحي، لافتةً إلى أنّه “عند الساعة الثانية عشرة وعشر دقائق فوجئنا بأصوات الرصاص، بدت السماء وكأنّها تمطر رصاصاً، لم نكن نجرؤ على الخروج لمشاهدة ما يحصل”. وتضيف: “بعد حوالى ساعة من الوقت، وصل الدرك إلى المكان. فخرجنا إلى الشرفات لنرى أشخاصاً ممدَّدين على الأرض والدم يغسل الطرقات، وآخرين يصرخون ويولولون”، مشيرةً إلى أنّ “الحيّ بدا كساحة حرب، حتى إنّ زجاج سيّارتي قد تحطّم بالكامل”.

من جهته، يصف ربيع المشهد كما استطاع أن يراه من خلف شبّاك شقّته، قائلاً: “في البداية سمعنا شجاراً ثمّ إطلاق نار وصراخ نساء، فخرجنا إلى الشرفة لنُفاجأ ببدء معركة تبادل إطلاق نار، فيما البعض يحاول الهرب متجنّباً الطلقات النارية المتطايرة من كلّ حدبٍ وصوب. وعلى الفور، عدنا إلى الداخل خوفاً من إصابة أحدنا برصاصةٍ طائشة. ولكنّني حاولت استراق النظر من النافذة، وكلّ ما فهمته ممّا رأيته هو أنّ الطرفين تواعدا على اللقاء قرب المبنى الذي تقطن فيه باميلا الجوهري التي سكنت هنا منذ أسابيع قليلة مع عائلتها، وكانت الفتاة بصحبة آلان القوبا، الذي لحق به والده برفقة سوريَّين اثنين، فيما كان الشاب طوني بو يونس بانتظارهما، يرافقه صديقه كارلوس غصين وأخوه جاد غصين”. ويتابع: “أجهل تفاصيل القصّة، ولكنّني سمعت أحدهم يصرخ لجاد قائلاً إنّ أخاه مصاب، فأجابه جاد بأنّ دولاب سيّارته على الأرض.. ولكن بعدها لم أعلم ما حصل. ولكن بحسب الروايات المتناقلة هنا، فإنّ جاد الذي كان هو أيضاً مصاباً، قد حمل أخاه على كتفه، ويُقال أيضاً إنّه كان يحمل في يده الأخرى سلاحه الذي كان يطلق به النار إلى كلّ جهة، وعندما وصلت سيارة لتُقلّهما إلى المستشفى، وبعد أن سحب جثة طوني بو يونس الممدّد على الأرض، ووضعها في السيارة، غادروا المكان”.

ويتدخّل رامي ليقول: “شاهدت مجموعة تجبر أحدهم (قد تبيّن لاحقاً أنّه الشاب السوري الجنسية رفعت كراد) على الركوع على قدميه، وبعدها أطلقوا النار عليه في رأسه… ثم دارت المعارك”. ويلفت إلى أنّ “قتيلاً آخر سقط داخل سيارته قرب المبنى هنا، وسمعنا آلان القوبا يشير إليه قائلاً: “هذا أبي، هذا أبي”، وقد سارع الى احتضانه وحاول أن ينقذه من خلال التنفّس الاصطناعي، ولكنّ الدم خرج من فمه، فقد فارق الحياة”، مشيراً إلى أنّ “باميلا كانت مبطوحة على الأرض بين السيارات، وعند انتهاء المعركة، غادرت برفقة الدرك، عند قرابة الساعة الثالثة والنصف صباحاً إلى سرايا جبيل”.

وخلال زيارة لـ”الجمهورية” إلى منزل الضحية ميشال القوبا، حيث انتشار عناصر الجيش، علمنا من أخ الضحية جورج القوبا أنّه رافق عناصر مخابرات الجيش إلى مكان الحادث، حيث وجد أخاه مقتولاً على مقود السيارة، موضحاً: “أخي لم يكن يمسك بيده السلاح”. وإذ يكشف جورج عن تهديد موجَّه إليهم من قِبل الطرف الآخر، يقول: “قتلوا أخي وبعد بدُّن منّي كمان؟”

باميلا

وبحسب المعلومات الأمنية الأولية، فإنّ باميلا جوهري كانت على علاقة مع طوني بو يونس ثمّ انتقلت إلى علاقة جديدة مع آلان القوبا. وتقول المعلومات إنّ طوني كان يحاول ليل الجمعة – السبت الاتصال بها على هاتفها، بينما كانت برفقة آلان، الذي ردّ على الهاتف وحصل تلاسن وتحَدٍّ بين الطرفين، وتواعدا قرب منزل الفتاة في مستيتا، حيث توجّه آلان غاضباً مع باميلا، فلحق به والده ميشال مع عاملين سوريّين. وهناك كان طوني بانتظارهما مع كارلوس وجاد غصين ورفاقهما. ولدى وصولهم تحت شقة باميلا، حصلت مُشادّة تلاها تبادل إطلاق نار لعشر دقائق، كانت حصيلتها ثلاثة قتلى وهم: طوني بو يونس وميشال القوبا والسوري رفعت كراد، وإصابة جاد وكارلوس غصين بجروح خطيرة، كما جُرح السوري خالد حمد، وفي حين كان آلان القوبا متوارٍ عن الأنظار”، تمكنت مساء أمس شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي من توقيفه في حلبا، بعد ملاحقته.

هذا وقد عملت فِرق الدفاع المدني والصليب الأحمر على نقل الجثث والجرحى إلى مستشفيَي سيّدة المعونات وسيّدة مارتين حيث يسود التكتّم. لكنّ ليلة العنف في مستيتا لم تقف عند هذا الحد، فبعد معرفته بمقتل ابنه طوني، أقدم يوسف بو يونس على الانتحار برصاصة في الرأس، ما رفع حصيلة الضحايا إلى أربعة. وتشير المعلومات إلى توقيف باميلا الجوهري على ذمّة التحقيق في سراي جبيل.

إلى ذلك، كلّف النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي كلود كرم المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي كلود غانم الإشراف على التحقيقات في الحادثة. كذلك، كلّف القاضي كرم الأجهزة الأمنية والأدلّة الجنائية إجراء التحقيقات اللازمة لمعرفة الفاعلين وإلقاء القبض عليهم.

تفشّي الأسلحة

هذا الإشكال ليس الأوّل الذي يحصل في لبنان ولن يكون الأخير. فمسلسل الإشكالات الأمنية مستمرّ، ولكن ما يجب التطرّق إليه هو حجم الأسلحة المستعملة في هذه الحوادث المتفرّقة. فالسلاح أصبح في متناول الجميع، ويُستعمل مع كلّ إشكال تافه وبسيط. فثقافة اقتناء السلاح متجذّرة في الذهنية اللبنانية، بحيث إنّ وضع ضوابط قانونية لها يواجه مقاومة شعبية قوية… والنتيجة: خسائر بشرية ومادّية، وخضّات أمنية وتوتّر سياسي “يخلخل” مفاصل الساحة اللبنانية.

وتقدّر مصادر أمنية مُطّلعة كمّية السلاح الفردي في لبنان بـ”مليوني قطعة بين خفيفةٍ ومتوسّطة، منتشرة في كلّ منزل، وبيدِ بعض المجموعات الخارجة عن القانون والتي تخلّ بالأمن وتهزّ الاستقرار بين الفترة والأخرى في اكثر من منطقة، وذلك من دون ذكر أسلحة الصيد والأسلحة القديمة التي تستعمَل للعرض”. وتؤكّد أنّ “تجارة السلاح تنتشر في لبنان بشكل كبير، إذ إنّ كلّ من يريد اقتناء السلاح لديه مصدرُه الخاص ومعارفُه، ويتلقّى ما يطلبه من القطع الكبيرة والصغيرة والذخيرة. ومنذ القِدم يعاني لبنان من الثورات ومن الحروب والأحداث، الأمر الذي جعل وجود السلاح في كلّ منزل ضرورة مُلحّة لكي يحمي كلّ شخص نفسه بنفسه، في ظلّ غياب الدولة التامّ في بعض الفترات”، مشيرةً إلى أنّ “مستودعات السلاح تتوزّع بشكل صغير خوفاً من كشفها وضبطها، وأغلبُها في أحياء مهمّشة وفقيرة، وفي مناطق تشهد نزاعات مسلّحة من حين إلى آخر”. وتقول المصادر: “من الممكن أن ينفجر الوضع في لبنان في أيّة لحظة، كاشفةً أنّ “هناك كمّيات كبيرة من الأسلحة دخلت الى شمال لبنان، وقد أظهرت الإحصاءات أنّ 10 % من الشبّان كانوا يملكون السلاح في مناطق النزاع في طرابلس، واليوم أصبحت النسبة تفوق الـ 70 %.”

وفي المحصّلة، من الواضح أنّ حضور السلاح في الساحات اللبنانية بات أشدّ من حضور القوانين وحتى الدولة، في ظاهرة تستدعي الالتفات لها، وعدم التغاضي عنها، لما تتضمّنه من تأثيرات سلبية على أمن المواطن اللبناني وسلامته، ومن بينها سلاح العائلات التي تستعين به الأخيرة كطريقة لفضّ الخلافات الشخصية وحسمِها من منظورها الخاص. الأمر الذي يتطلّب قراراً سياسيّاً كبيراً لوضع حدّ لهذه الظاهرة الخطرة.

Exit mobile version