كتبت صحيفة “النهار”:
وقت كان خبر صحافي عن رسالة مزعومة ارسلها رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط الى الرئيس السوري بشار الاسد عبر النائب طلال ارسلان يملا فراغ المشهد الداخلي ويستلزم نفيا مزدوجا من جنبلاط وارسلان بدا التطور الجاد الذي يرجح ان يشغل الوسط اللبناني في الساعات المقبلة متصلا بالنتائج التي افضت اليها زيارة وزير الخارجية الاميركي جون كيري للرياض والمواقف التي اعلنها في مؤتمره الصحافي المشترك مع نظيره السعودي الامير سعود الفيصل . ذلك انه لم يكن تفصيلا نافلا ان يبرز الملف اللبناني كاحد العناوين العريضة التي تناولها كيري عقب محادثات مثيرة للجدل مع القادة السعوديين على سوية مماثلة للملفين السوري والايراني بما يحمل على الاعتقاد ان الانعكاسات المحتملة لهذه المحادثات وما افضت اليه من اعادة تصويب محتملة للعلاقات الاميركية – السعودية تمر ايضا ببيروت . واذا كان من المبكر اطلاق الاحكام المتسرعة على نصيب لبنان من هذا التطور في انتظار اتضاح الصورة الحقيقية لنتائج الزيارة فان ما اعلنه كيري من رفض لان يتولى “حزب الله ” رسم المستقبل اللبناني ومن ضمن ذلك التحكم بتشكيل الحكومة مقترنا بدعم كيري للقوى المعتدلة في عملية التشكيل الحكومي مرشح لان يطلق دينامية جدل سياسي واسع جديد في شان الازمة الحكومية . وهو موقف اتخذ بعده الاوسع مع موقف الامير سعود الفيصل الذي دعا ايران الى اثبات حسن نياتها بالانسحاب مع حليفها اللبناني ” حزب الله ” من سوريا .
تريثت القوى السياسية بطبيعة الحال في التعامل الفوري مع هذين الموقفين وينتظر ان تتبلور في الساعات المقبلة صورة الاصداء الداخلية حيالهما سلبا او ايجابا او صمتا . غير ان المفارقة تظهر في امكان تحريك ركود الازمة الحكومية عشية بلوغها شهرها الثامن غدا بما يعني ان حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المستقيلة ستحطم رقما قياسيا في اعمار الحكومات المستقيلة وان الرئيس المكلف تمام سلام سيحطم بدوره رقما قياسيا اخر في احتلاله منصب رئيس حكومة مكلف لا يشكل حكومة ولا يعتذر عن عدم التشكيل .
تبعا لذلك ستدخل الازمة مع بداية الشهر الثامن منعطفا شديد الوطاة على البلاد لا تبدو معه اي مؤشرات حسية على امكان فتح ثغرة في جدار الانسداد الذي صار مزمنا وسط خشية من ان يكون الواقع الاقليمي مقبلا على مزيد من الاحتدام على ما توحي كل المعطيات خصوصا في غمرة التعقيدات التي تعترض الترتيبات لعقد مؤتمر جنيف – ٢ والتي ساهمت جولة الموفد الاممي – العربي الاخضر الابرهيمي في تظهيرها بقوة . ويمكن في هذا السياق ادراج عودة الكلام عن معركة القلمون والنفخ في ريحها في اطار المؤشرات التي تدلل على اخفاق مرجح لعقد المؤتمر مما يستدعي تنبها لبنانيا الى خطورة التلويح بهذه المعركة المحتملة وامتداداتها الى لبنان .
والى هذه الصورة المعقدة للمناخ الاقليمي تلفت اوساط معنية الى ان عملية تشكيل الحكومة الجديدة باتت تواجه ايضا طلائع فتح المعركة الرئاسية وتقدمها تدريجا كاستحقاق يمكن ان يطغى على احدى اطول الازمات الحكومية التي عرفها لبنان . فلم يعد خافيا ان حسابات الاستحقاق الرئاسي باتت في مقدم اولويات الافرقاء السياسيين ولم تعد تغيب عن تصريحات ومواقف علنية يرجح ان ترتفع وتيرتها باطراد في الاسابيع القليلة المقبلة في مناسبات عدة على ما تفيد تحضيرات لدى الكثير من القوى المسيحية خصوصا .
واذا كان النائب جنبلاط سارع امس بطريقته الفريدة الى نفي خبر بعثه برسالة الى الرئيس السوري قائلا انه لم يدرك بعد ” هذه الدرجة من الخرف والهبل السياسي ” فان قطعه كل الاواصر مع النظام السوري لا تعني ان اختلافه مع قوى ١٤ اذار على التركيبة الحكومية العتيدة قابل للترميم قريبا مما يبقي هذا العامل من العوامل الرئيسية التي تحول دون حلحلة الازمة الحكومية التي سيبقى فيها جنبلاط واسطة العقد .
وتقول الاوساط المعنية ان ما لم تبرز معطيات اقليمية جديدة من شانها شق الطريق امام حكومة انتقالية تتولى تعبيد المناخ الملائم للاستحقاق الرئاسي فان لبنان سيكون امام معادلة خطرة للغاية وهي ربط ازماته بازمة استكمال التوافقات الدولية والاقليمية على الحل السياسي في سوريا عبر جنيف – ٢. وهو امر بدات بوادره تلوح بوضوح مع تقييد عملية تشكيل الحكومة الجديدة التي صار الحكم والرئيس المكلف والحكومة المستقيلة اسراها ولن تفك قيودها على الارجح ما لم تتضح ملامح التحركات الجارية لعقد جنيف -٢ وخريطة الطريق التي يفترض ان يرسمها لمستقبل سوريا . فاي قدرة للبنان على احتمال المزيد بعد ؟ وماذا ينتظره على طريق الانتظار من انواع التوترات والاضطرابات التي تشبه حالة طرابلس التي لا يمر يوم الا تقف فيه المدينة عند قطوع امني جديد وخطر اندلاع جولة جديدة من الاشتباكات والقتال والنفخ في رياح الفتنة ؟