لبنان الذي اراده الاباء والجدود، وطناً للسلام والمحبة والحرية والاستقرار والاخلاق والقيم والعيش المشترك، تحوّل في ثلاثة عقود ونيف، بلداً للحروب والكراهية والتضييق والفوضى والتفلّت والرذيلة والانقسام. والادهى من كل ما ورد انه تحوّل الى بلد يحكمه السلاح وشريعة الغاب، ويعبث فيه ادعياء الدين والتدّين، واهل التكفير والمتزمتون، فساداً واجراماً طافحين يأخذان الوطن الى مهالك الانحلال والتفكك.
كل ما يندرج تحت لائحة الاجرام اصبح له مرقد عنزة في لبنان، واستمرار الحال على المنوال القائم، لن يكتفي الاجرام بمرقد العنزة، بل سيدخل الى كل بيت ومكتب ومدرسة وجامعة ومؤسسة، والمحزن انه ليس في الافق ما يشير الى انفراجات يمكن ان تبعد كأس الموت عن هذا الوطن المعذّب، خصوصا في ظل حماية الاجرام والمجرمين، او التطنيش عن الموبقات التي ترتكب في كل يوم وساعة.
قتل، خطف، سرقة، احتيال،زرع المخدرات والمتاجرة بها، دعارة على انواعها، اعتداء على الاملاك العامة والخاصة، قطع طرقات، استهتار بالدولة، تجاوز الدستور والقوانين، فساد وافساد، تزوير وترهيب، طائفية ومذهبية، فقر وجوع، الارتهان للخارج، والامعان في تجويف الداخل، وبعض الدولة، يزين بميزانين ويكيل بمكيالين، والمصيبة لا تقع الا على رأس اللبناني الفقير «المعتّر».
من الطبيعي العادل، الا تحمل هذه الحكومة جميع تعاسات لبنان، لكن الذي يحدث في ظلها وفي داخلها، منذ تشكيلها حتى اليوم، يجعل مسؤوليتها اكبر لانها لم تكن على قدر المسؤولية، وعلى قدر الحسّ الوطني السليم، خصوصا انها ومن يحميها ويمدّها بالحياة، يلحظون يومياً مدى التفسخ في الكيان اللبناني، الناتج بالدرجة الاولى عن السلاح غير الشرعي.
على ما يظهر ويبان ان هناك اقتناعا لدى العديد من اهل الحكم والسياسيين، ان لبنان يكون في يوم سعده ان هو استمر على هذه الحالة البائسة، ولم ينقصف ظهره بما هو اعظم، كما ان المواطن العادي الذي كان يحلم في غفواته الطويلة ان التغييرات لا محالة فقد هذا الحلم التفاؤلي وبدأت تنهشه كوابيس الخوف والقلق، وتنامى عنده صدق المثل القائل «فالج لا تعالج» كل شيء باق على حاله، وحتى الحلم بوطن الاباء والاجداد، ليس من المستحيلات فحسب، بل من الممنوعات، لأنه قد يؤدي عند البعض الى الحلم بالتقسيم، او بالفدرالية، او باللامركزية الادارية السياسية الموسعة، ولكن الشعب اللبناني في غياب امكان قيام دولة مدنية ديموقراطية حرة غير طائفية، يرغب في الوقت الحاضر وتعميقا لحالة الشراكة بين المكونات التي تؤمن بهذه الدولة ان يقسّم لبنان الى لبنانين، لبنان التنوّع وقبول الاخر الديموقراطي الحرّ السيد المستقل، المكوّن من المسيحيين والمسلمين المؤمنين بهذا اللبنان، ولبنان الاخر، لبنان اليوم، لبنان الجريمة والسلاح والتعصب واللادولة والنزاعات الدائمة، لبنان الذي يعيش جاهليته في القرن الواحد والعشرين، ويكون ايضا من لبنانيين مسلمين ومسيحيين يؤمنون بهذا النوع من الاوطان ويرتاحون اليه.
هذا التقسيم ليس طائفيا ولا مذهبيا بل هو حاجة ملحة لشعب واجيال ومواليد يريدون ان يعيشوا بسلام واستقرار ومحبة وقانون ودستور، وبحبوحة، وهي ما نفتقد اليها اليوم، وسوف نفقدها الى الابد طالما ان نهج التعطيل هو الآمر والسيد.