مهما كانت رسالة الجريمة فهي مستنكرة، والأشد استنكاراً أن تفوح من بعض معالمها رائحة الإتجار بدماء البشر على مذبح “الحمايات المذهبية” لمن يستقوي باستكبار “حزب الله” وبمظلة بشار الأسد، حتى يعربد في وجه الدولة، ويتمرد على قانونها، ويتحدّى “رب رب” قضاتها وأجهزتها، على نحو ما فعل “الجندي الصغير” في جيش الأسد، النائب السابق علي عيد، المتهم بتهريب أحد منفذي جريمة تفجيري مسجدي “التقوى” و”السلام”، والذي أصدر بحقه مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر مذكرة بحث وتحر.
اللافت بإزاء ما تقدم، أن “حزب الله” لا يترك مناسبة إلا ويؤكد فيها أنه حزب “اللامنطق”، فهو إذا حمّل مسؤولية “جريمة الباص” إلى “تحريض مذهبي” هو “الأب الروحي” له في كل زمان ومكان، طالب “السلطات الأمنية والقضائية باتخاذ الإجراءات المطلوبة ومعاقبة المجرمين للحيلولة دون تكرار مثل هذه الجرائم”.
وهنا، يحق لكل اللبنانيين أن يسألوا “حزب الله” لماذا “بلع الموسى” حيال مطالبة السلطات نفسها باتخاذ الإجراءات نفسها لسوق علي عيد إلى التحقيق، ما دام متهماً بجريمة المسجدَين، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته، وذلك في سياق الحيلولة دون تكرار جريمة تفجير المسجدَين في طرابلس أو غير طرابلس؟ أو أن صفة “القديس” باتت “ماركة مسجلة” باسم كل “الجنود الصغار” من المجرمين في جيشَي بشار الأسد و”الولي الفقيه”. فـ”القديسون” من “جنود الولي الفقيه” المتهمون باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري “لن يتم توقيفهم ولو بعد 300 عام”، كما هدّد السيد حسن نصر الله سابقاً، و”الجندي الصغير” في “جيش بشار الأسد” سيكون مثوله أمام فرع المعلومات “من سابع المستحيلات”، كما هدد نجله رفعت عيد بالأمس!
ويحق للبنانيين أيضاً أن يسألوا “حزب الله” عن سياسة “الكيل بمكيالين”، لماذا لا يدعو الدولة إلى التعاطي مع عيد وأزلامه أسوة بطريقة تعاطيها مع ملفات أخرى مماثلة؟!
ما سبق ذكره يؤكد أن “حزب الله” ليس عاقلاً حتى يدعو “العقلاء إلى مضاعفة الجهود”، طالما أنه يكرس “انتقائيته” في دعوة الدولة إلى الحزم تجاه مخالفي القانون والمجرمين هنا ويدفن رأسه في الرمال هناك، في وقت يبدو واضحاً أن “العقلاء” لا يضاعفون الجهود وحسب، بل يكادون لا يتركون جهداً إلا ويبذلونه في سياق التصدي للظواهر الشاذة التي تهدد السلم الأهلي، بعيداً عن أي “انتقائية طائفية” أو “استنسابية مذهبية”، كما يفعل “تيار المستقبل” وقوى “14 آذار”، بدليل “أرشيف” المواقف الصادرة عنها بإزاء كل الظواهر الشاذة من عيد اليوم إلى الأسير بالأمس، وما بينهما من سماحة ومملوك، وغيرهم.
وهذا يعني أن “حزب الله” حتماً ليس حَكَماً يصدر الأحكام في “جريمة الباص”، ما دامت ممارسات سلاحه “المجيدة”، من أحداث الجامعة العربية إلى “7 أيار”، مروراً بـ”القمصان السود” وصولاً إلى “الأمن الذاتي”، قد باتت “قدوة” لمجموعات تتغذى من ممارسات “حزب الله” الحاقدة، وقد صدق فعلاً بتسميتها بـ”المجموعات الحاقدة”.
محقّ “حزب الله” حين يقول إن “جريمة الباص” هي “رسالة خطيرة لكل اللبنانيين”، لكن الأخطر أن يقع الحزب، من حيث يدري أو لا يدري في فخ تناقضاته، فـ”أكَلَة لحوم البشر وقاطعو الرؤوس” ممن دأب على تسميتهم بالتكفيريين في طرابلس اكتفوا فقط بإطلاق النار على الأرجل، رغم كل “التحريض المذهبي”!
من ارتكب “جريمة الباص”، سواء أكان من “أكَلَة لحوم البشر” أو من “جمعيات حقوق الإنسان”، مجرم ويجب أن ينال عقابه، وكذلك الأمر، فإن من نفذ جريمة تفجيري مسجدي “التقوى” و”السلام”، سواء أكان حزب آل عيد أم غيره، مجرم ويجب أن ينال عقابه.
لكن الخوف كل الخوف، أن يكون المجرم هنا وهناك واحداً، وأن تكون الرسالة، كما كل الرسائل الخطيرة، مذيّلة بتوقيع من هدد بإشعال لبنان من طرابلس، وليس القول الصريح لرفعت عيد إلا أبلغ دليل على ذلك، وهو القائل قبل يومين: “نملك إمكانات تجعلنا نشعل حرباً أهلية ثانية في لبنان”!