#adsense

الرجل القوي في كنيسة موسكو يزور البلمند غداً: يوحنا العاشر متمسّك بالهوية ورفض التبعية لأي كان

حجم الخط

كتب بيار عطاالله في صحيفة “النهار”:

يتواصل الحراك الروسي في اتجاه لبنان ومحيطه والقضايا التي تعني مواطنيه. وبعد وفد “الجمعية الامبراطورية الروسية” الذي استقبل بحفاوة كبيرة في محاولة لتجديد ما كان من تواصل، يصل غداً السبت الى المقر البطريركي في البلمند رئيس ادارة العلاقات الخارجية في بطريركية موسكو وسائر الروسيا المطران هيلاريون، ويلتقي البطريرك الانطاكي يوحنا العاشر، الحريص على “بناء افضل علاقات المحبة والمودة والتعاون والاحترام مع كل الكنائس الارثوذكسية (وفق ما ورد في رسالة التنصيب ورسائل اخرى) وفي مقدمهم الكنيسة الروسية”. لكنه في الوقت عينه حريص على “صون الامانة التي وضعها الله بين يديه في انطاكيا والحفاظ على استقلاليتها في مثل هذه الظروف الصعبة لضمان استمرار المسيحية في ارض المسيح كي لا يتغرب الشرق عن نفسه”، والكلام لأوساط مقربة من الكرسي البطريركي.

المطران الروسي هيلاريون هو وزير خارجية البطريركية الروسية، والخبير في شؤون الشرق الاوسط، ويقال انه مهندس العلاقة بين الكنيسة والدولة الروسية، لكن يبدو ان كل ذلك لا يغري البطريرك يوحنا العاشر المتمسك بفكرة مؤداها، أن المسيحيين في الشرق ليسوا جالية اميركية ولا روسية ولا اوروبية، وانهم سموا مسيحيين في انطاكية وهم اصيلون في الشرق وعليهم بذل الجهد لاصلاح الامور وبلوغ الكمال. وبهذا المعنى، فهو لا يريد خلق اي التباس او انطباعات لدى اي كان بأن مسيحيي الشرق والارثوذكس تحديداً هم اتباع لهذه الدولة او تلك، اياً يكن حجمها.

الزيارة الروسية غداً سبقتها زيارة وزير يوناني للبلمند، وهي تمثل جانباً من التنافس الايجابي بين الكنيستين الارثوذكسيتين في اليونان وروسيا على مد جسور الصداقة والنفوذ مع كل الكنائس الارثوذكسية، وخصوصا ان العلاقة بين بطريرك روسيا والبطريرك المسكوني في تركيا ليست في افضل احوالها نتيجة التنافس بين الفريقين على الموقع المتقدم. ومعلوم ان الكنائس الارثوذكسية مستقلة ادارياً الواحدة عن الاخرى على رغم الاتحاد في الايمان والطقوس الدينية، الا ان كلا منها تنتخب رئيسها واساقفتها ويحتل البطريرك المسكوني في اسطنبول (القسطنطينية سابقاً) المركز الاول المتقدم على البطاركة الآخرين على رغم الزمالة ونتيجة الموروث التاريخي وعلى رغم ان رعاياه لا تتجاوز بضعة آلاف من المؤمنين. ويحتل بطريرك انطاكيا ايضاً موقعاً متقدماً على بطريرك روسيا، مع ان اتباع كنيسة موسكو يعدون بالملايين ويعتبرون ان روسيا هي روما الجديدة، لأنهم الاكثر عدداً وقوة، وقد عاشوا تجربة الاضطهاد والتنكيل خلال الحكم الشيوعي. لكن كل ذلك شيء وحساب زيارة المطران هيلاريون والاوضاع الصعبة التي يواجهها الارثوذكس شيء آخر. وعلى ذمة العارفين، فان المطران الروسي يدرك الخلاف القائم بين كنيستي انطاكيا واورشليم نتيجة قيام بطريرك القدس اليوناني بتعيين أسقف على ابرشية قطر التابعة للبطريركية الانطاكية والتي لم تجد لها حلاً بعد على رغم كثرة الوفود والوسطاء، وكان يفترض بالبطريرك المسكوني (القسطنطينية) حل هذا الخلاف.

وتقول اوساط مقربة من البطريرك الانطاكي انه يدرك جيدا تعاظم الدور الروسي وازدياد تأثير الكنيسة الروسية وقوتها، لكنه على رغم كل الظروف الصعبة المحيطة به والمحبطة له وللارثوذكس في الشرق الاوسط (انطاكيا) يحرص على استقلالية كنيسته ومؤسساتها وعلى ان لا تتحول ورقة في يد هذا الفريق او ذاك في صراعهم على النفوذ. والكلام الافضل لوصف الوضع ان الجميع مرحب بهم في البلمند وفي مقر البطريركية في دمشق، الا ان الحرص على الحياد بين الاخوة وعدم اقحام الكنيسة الانطاكية في الصراعات والمشكلات ذات الطابع الدولي يبقى العنوان الابرز مع الاحتفاظ بأفضل العلاقات مع الجميع، سواء اكانوا في روسيا ام اليونان وتركيا وغيرها من الكنائس. انها ربما كانت الحكمة الارثوذكسية في “النأي بالنفس”.

المصدر:
النهار

خبر عاجل