ان البحث في امتيازات التنقيب عن النفط والغاز وشروط عمل الشركات وعائدات الدولة لا يمثل الجزء الاكبر من موضوع معالجة حاجات الطاقة والاقتصاد وفرص العمل.
لذا لا بد من العودة إلى هذا الموضوع لشحذ اذهان اللبنانيين.
تكاليف توفير الطاقة، أي الكهرباء والبنزين والمازوت والتدفئة للمنازل والمدارس والمؤسسات العامة والخاصة كما التبريد خلال الصيف وحفظ المأكولات وبعض الادوية في كل وقت، تفوق تسعة مليارات دولار سنوياً. وبنود الكلفة هي:
– 2٫2 مليار دولار دعم مؤسسة كهرباء لبنان.
– 3 مليارات دولار نفقات المواطنين على شراء كهرباء المولدات الخاصة.
– 3٫8 مليارات دولار مشتريات البنزين والمازوت وكاز الطيران وغاز البوتان.
تضاف الى هذه الكلفة التي يتحملها المجتمع اللبناني بكل اطيافه تكاليف الاتصالات الخليوية بصورة خاصة وتكاليف الانترنت التي تبلغ للمستهلكين الحاملين ثلاثة ملايين جهاز اكثر من ثلاثة مليارات دولار سنوياً.
تكاليف الطاقة والاتصالات تتآكل اكثر من 12 مليار دولار سنوياً، أي ما يزيد على 28 في المئة من الارقام الرسمية للدخل القومي. هذه النسبة تعني بحد ذاتها ان لبنان غير مهيأ للمنافسة دولياً، سواء في مجالات الفندقة التي تعتمد الى حد ملحوظ على تكاليف الطاقة والنقل والاتصالات، او في مجال استقطاب المكاتب التمثيلية للشركات الاجنبية ذات الامتداد العالمي سواء منها المصارف، او شركات التجهيزات الرئيسية، او المعدات الترسملية المخصصة للانتاج، او نقل الركاب بسرعة براً وجواً الخ.
لنعد الى مناقشات ملف النفط والغاز كما يوصف. نقول اولاً ان الشركات التي شاركت في توفير مشاريع عقود لن تسحب مشاريعها ما لم تتعرض خلال المناقشات مع المسؤولين لإيحاءات بضرورة توفير مدفوعات غير قانونية للتصنيف ومن ثم التوليف.
الامر الوحيد الناتج من التأخير، ونحن متأخرون عشرات السنين اساساً، يمكن ان يطرأ اذا شهدنا انخفاضا في اسعار النفط والغاز بنسبة 30-40 في المئة. هذا الامر ليس مستغرباً وان يكن يبدو بعيداً عن التوقعات العلمية، لكن تأثيرات اكتشافات غاز الطفال في الولايات المتحدة وتحقيق هذه اكتفاء ذاتياً في استهلاك الغاز مع توسيع حصتها من استهلاك الطاقة الى 32 في المئة من 30 في المئة اصلاً، تجلت في انخفاض اسعار تسليمات الغاز المسيل الى اوروبا بنسبة 10 – 15 في المئة عام 2013. واليابان وحدها بسبب مأساتها نتيجة انهيار مفاعل نووي والخوف من انهيارات اخرى باتت رهينة استيراد الغاز باي ثمن. فهي تدفع ثمناً لمستوردات الغاز يوازي خمسى اضعاف الثمن المحقق في الولايات المتحدة، وهي تالياً تخسر قدرة تنافسية في مجال انتاج السيارات، والصلب والحديد الخ من الصناعات التي تعتمد على الطاقة بنسبة كبيرة، وقد شهدنا تطوراً أسرع لمبيعات السيارات الاميركية من اليابانية في الولايات المتحدة والصين خلال 2013.
اضافة الى انخفاض اسعار الغاز، شهدنا خلال اسبوع انخفاض اسعار النفط من 105 دولارات للبرميل الواحد الى 93 دولاراً، أي بنسبة 11٫4 في المئة، وقد نشهد انخفاضا اضافيا، لكننا نرى ان سعر النفط في حال استمراره في الانخفاض لن ينخفض عن مستوى 80 – 85 دولاراً للبرميل، لان هذا المستوى في السعر يوازي كلفة انتاج البرميل من صخور الطفال.
من أهم اسباب انخفاض اسعار النفط، توقع توصل الولايات المتحدة وبقية دول الفيتو في الامم المتحدة والمانيا الى اتفاق موثق على التوجهات النووية الايرانية وتركيزها في مجال الاهتمام بالطاقة السلمية أي انتاج الكهرباء والمعالجات الصحية. وفي المناسبة، تملك ايران معدات نووية لمعالجة السرطان تقدمة من الولايات المتحدة من تاريخ سابق لثورة الخميني عام 1979.
الامام الخميني فرض خفض انتاج ايران من النفط من ستة ملايين برميل يومياً الى مليوني برميل، وساهم الخفض في ذلك التاريخ في رفع اسعار النفط بقوة، ولجأت الدول الصناعية الغربية الى السعودية لتعويض النقص في الامدادات فحققت هذه النتيجة في وقت قصير، وتابعت زيادة طاقتها الى مستوى 11 – 12 مليون برميل يومياً عدا منتجات الغاز الرطب.
اسعار النفط انخفضت بسبب توقع عودة الانتاج الى الارتفاع في ايران، لكن الإيرانيين لن يستعيدوا مستويات الانتاج السابقة خلال بضع سنوات لان عمليات التطوير تستوجب وقتاً ليس بقصير واستهلاك ايران ارتفع بقوة خلال 34 سنة (1980 – 2014). وانخفاض الاسعار حديثاً طرأ على رغم انحسار الصادرات الليبية ذات النوعية الخفيفة المميزة، ومع ذلك الانخفاض الذي كان يفترض ان يساهم في رفع الاسعار، انخفضت الاسعار لان الطلب في اوروبا مقدر ان ينخفض بنسبة بسيطة نظراً الى أن توقعات زيادة الدخل القومي للسوق الاوروبية في 2014 لا تزيد على 1٫1 في المئة، كما أن مستوردات الولايات المتحدة من الغاز تبخرت ومن النفط انخفضت بقوة وعلى مستوى 1٫8 مليون برميل يومياً.
بعد كل هذا، نستطيع توقع استمرار غالبية الشركات المشاركة في التعبير عن رغبتها في الحصول على اتفاقات تنقيب وانتاج في لبنان على رغم الانخفاض المسجل في اسعار الغاز والنفط.
وعلينا ان ندرك ان طرح عشر مناطق للتنقيب في الوقت ذاته لا يعني الاتفاق المسبق على تخصيصها بافضل عشرة عروض بل يمكن اختيار العرضين او العروض الثلاثة الافضل للبدء بعمليات التنقيب في انتظار النتائج وهذه لن تؤدي الى فوائد مالية قبل انقضاء سبع الى ثماني سنوات (باستثناء مدفوعات للحصول على اتفاقات التنقيب قد تدر عشرات الملايين من الدولارات).
ويجب ألا يغيب عن سياسيينا ضرورة اشراك وزراء الصناعة والاقتصاد والبيئة والمال اضافة الى وزير الطاقة في عرض شروط العقود لان لكل من هذه الوزارات دوراً اساسياً في المستقبل.