#adsense

“كليوباترا ” هذا الزمان والغيرة القاتلة «للقيصر»

حجم الخط

 

يُروى أنّ يوليوس قيصر بدا شارد الذهن وهو يتباطأ في نقل البيادق على رقعة شطرنج خصمه فيها هيرودس الذي لاحظ أنّ ثمة ما يقلق بال الإمبراطور، فسأله عما يشغل باله، فشكا القيصر همَّه لصديقه قائلاً: “إن الكونغرس الروماني يلحُّ عليَّ بترك الشرق والعودة السريعة إلى روما لألف سبب وعلَّة. وتعلم بأنني عاشق متيَّم بملكة مصر كليوباترا إلى درجة غيرتي العمياء من علاقتها بذلك القائد الذي لا مجال لإعفائه من مهامه العسكريِّة لحنكته وشجاعته وشعبيَّته. وها أنا القيصر الحزين، أسير الحبِّ والغيرة، ولا أدري ماذا عليَّ أن أفعل؟”.

ضحك اليهوديُّ الخبيث وبادر يوليوس قيصر بالقول: لترتاح… اقتُلْها.

هذه الواقعة التاريخيّة رواها لي المغفور له المؤرِّخ العلَّامة جواد بولس في أوائل حرب 1975. مُعلِّقاً: علينا أن نفهم كيف يُفكّر الإسرائيلي.

وسألته: وهل فهمنا؟

وضع رجلاً فوق رجل واكتفى بالصمت.

نقلت الرواية ذات يوم إلى زعيم فلسطينيٍّ راحل، فأطرق قليلاً ثم علَّق عليها بالقول: لعلَّ جواد بك كان يلمِّح إلى أننا نقتل لبنان لنرتاح، وترتاح إسرائيل.

وضعتُ رجلاً فوق رجل واكتفيتُ بالصمت.

ماذا لو سألنا كيف ترتاح المنطقة؟

بقتل مَن؟

وكيف يرتاح لبنان؟

بقتل مَن؟

راجعوا جرائم القتل السياسي. ودلوا بالإصبع على من ارتاح بقتل فلان وعلتان.

صحيح أن أحداً لا يوقِّع جريمته، ولكن الصحيح كذلك أن ثمة من يقتل ضحيته مرَّة بعد مرَّة، لا لشيء إلاَّ ليتأكَّد من موت كليوباترا جسديّاً ومعنوياً، ومن أنه ارتاح منها.

واذا كان كلام السيد المسيح: “ما أُخذ بالسيف بالسيف يُؤخذ”، واذا كان القول الكريم: “وبشّرْ القاتل بالقتل ولو بعد حين”، هما مجرد وعودٍ نبويَّة، وحاشا أن يكونا كذلك، فعلى أيِّ عدالة نعوِّل؟

وهنا يُذكر للشاعر أديب إسحق مطلع رباعيَّته الشهيرة: ” قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتَفر… وقتل شعبٍ آمنٍ مسأَلةٌ فيها نظر”.

واذا ما قُتل شعب، فمَن يرتاح؟

أظنُّ بأن جواد بولس، ذلك العظيم من بلادي، فهم القتل بمعانيه كلِّها، وفهم الغيرة بأبعادها كلِّها، وفهم خبث هيرودس بمراميه كلِّها، وفهم نزق القياصرة بأمراضه كلِّها، وفهم أنَّ الفهم نصف الطريق إلى كشف القاتل من خلال مظاهر راحته ولو لم يقتل بسيفه، بل بسيف سواه.

كيفما التفتنا رأينا جثثاً ولو حيَّة، وقتلة ولو بالنوايا، ومتمتّعين براحة قيصر، علماً بأنه قُتل غدراً بيد من كان آخر من يخطر ببال يوليوس أن يغرز الخنجر في ظهره فصاح وهو يُحتضر: “حتّى أنتّ يا بروتس؟!”.

يُقال، كذلك: “العبرة لمَن اعتبر”. وهل في بلادنا، وفي جوارها، وفي ما هو أبعد من الجوار، من يَعتبر؟ ومن لا يطلب الراحة؟

وهل من قبيل راحة الضمير، لا أكثر، يمكننا أن نطلق على قتلانا جميعاَ اسم “هابيل” وعلى قاتلينا جميعاَ اسم “قايين”؟

وفي النهاية من هي كليوباترا التي نتقاتل من أجلها؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل