كلام سلام في بعبدا عكس في وضوح هذا الوضع، الذي يصِفه بديبلوماسية مخففة بالوضع غير المريح، فيما هو في رأيه انعكاس لأزمة أبعادها لا تقتصر على مجرد خلاف على تأليف حكومة، بل تتصِل بكلّ ما تشهده المنطقة من أحداث، عقّدت التأليف بأكثر ممّا كان يُنتظر أو يُتوقع.
ينقل زوّار المصيطبة عن سلام قراءته الواضحة للصعوبات، وإصراره على متابعة المهمة، ليس فقط لأن الناس تطالبه بصوت عال بعدم التراجع، وتقول له: “إيّاك والاعتذار”، بل لأن البديل من متابعة المهمة، على رغم أكلافها الشخصية، مدمّر.
يتجنّب سلام، وفق ما ينقل زوّاره، تحميل المسؤوليات، لأن ذلك لا يفيد الآن، لكنه يقول إن الجميع يتحمّل المسؤولية ولكن بنَحو متفاوت. ويراجع نفسه في كل دقيقة، كأنه يفتش عن خطأ ارتكبه، فلا يجد ما يحمّله أي مسؤولية استثنائية. يقول: “لقد وضعت معايير التأليف منذ اللحظة الأولى، والتزمتها، ولن أغيّر موقفي، الا إذا حصل إجماع على أي صيغة. عندها، لن أقف في وجه هذا الإجماع”. ويضيف: “تعرضت لحملات التجنّي والتجريح، ولم أردّ لكي لا أحقق هدف أيّ كان باستدراج المهاترات، وسأبقى على هذا السلوك حتى استكمال المهمة”.
عن العناصر التي تساعد في تذليل عقبات التأليف، يقول سلام لزوّاره: “كلما اقترب الاستحقاق الرئاسي، كلما شعر المخلصون بخطورة الفراغ. وبالتالي، ستكون عملية تأليف الحكومة ضرورة ماسّة، لأن البلد لم يعد يتحمّل”.
ويشعر سلام أن الوضع الإقليمي عنصر أساسي في تسهيل التكليف، وينظر بتفاؤل إلى زيارة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان للسعودية: “ننتظر منها خيراً”. ولكنه في الوقت نفسه يستغرب بعض الحملات الإعلامية والسياسية التي تحاول تظهير دور المملكة، بأنه لا يساعد في تأليف الحكومة (ما قيل عن رفض صيغة 9-9-6)، في حين لا يسلط أحد الضوء على موقف دولة إقليمية كإيران وحلفائها، المعارض لصيغة الـ 8-8-8.
يقول زوّار المصيطبة إن سلام تبلّغ أن قوى 14 آذار كانت في أجواء القبول بمناقشة اقتراح 9-9-6، إلى أن أطلق الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله خطاباً وجدته هذه القوى فوقياً واستعلائياً، فبادرت الى رفض هذه الصيغة، وثَبّتت شرطَي انسحاب “حزب الله” من سوريا، وقبوله “إعلان بعبدا”. ويستغرب سلام في هذا الإطار رفض “حزب الله” هذا الإعلان، الذي كان وافق عليه على طاولة الحوار.
يشير زوّار المصيطبة لارتياح سلام الى لقائه الأخير مع الرئيس سعد الحريري، وينقلون عنه تثمينه دور رئيس الجمهورية، “فهو رجل شفّاف وصادق ووطني، وهو سند لي في تأليف الحكومة”.
أما عن رئيس “جبهة النضال الوطني” النائب وليد جنبلاط، فيُبدي سلام ارتياحه، لا بل اطمئنانه، الى بقائه في “الوسطية”، “فهو حريص على وسطيته، وأعتقد أنّ تسمية كتلته النيابية لي لتأليف الحكومة هي أحد وجوه هذه الوسطية”.
تمر مهمة التأليف المستحيلة في أصعب مراحلها، فليس سهلاً أن تمر ثمانية أشهر على التكليف من دون أن تبصر الحكومة النور، وليس سهلاً انتظار الفرَج من عواصم الإقليم، من الحوار الأميركي ـ الإيراني، وتداعيات الملف السوري، فكلها عوامل تسحب المبادرة من يد رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، ولا تترك لهما الخيار للتصرّف، إلّا عبر محاولة كسر الجدار المقفل، وهذا ما سيقوم به سليمان في السعودية ولاحقاً في الامارات العربية، وربما أبعد في زيارات عربية ودولية.