#adsense

السعودية «تقطع الطريق» على إيران

حجم الخط

ليس مهماً بعد اليوم تحديد هوية الجهة التي أعلنت «موت»، أو على أحسن تقدير، تأجيل عقد مؤتمر «جنيف ـ 2». بل المهم هو محاولة قراءة تداعيات هذا الحدث السياسي على مجرى النزاع المستمر، سواء في سوريا أو غيرها من المناطق المحيطة بها.

من نافل القول مجدداً إنّ أحداً لم يكن ينتظر نتيجة مغايرة لما جرى، باستثناء تلك القوى التي صوّرت لنفسها وحاولت تسويق فكرة أنّ عقد المؤتمر هو النتيجة الطبيعية للإنتصارات السياسية التي حقَّقتها، مدعومة بتقدّم ميداني من هنا أو هناك على رقعة الحرب الممتدّة على طول سوريا وعرضها.

فجولة وزير الخارجية الأميركي جون كيري على دول المنطقة، أعادت مجدّداً تحديد الأولويات التي لا يمكن تحقيق تقدّم فيها، في معزل عن الإنجازات المرتبطة بملفات أخرى. وقد نجحت الرياض في «إقناع» واشنطن بتأجيل «جنيف ـ 2» وفقاً لشروطها، التي لا يبدو أنها تتعارض مع الرغبة الأميركية في عدم إغضاب حلفائها في هذه المرحلة، نظراً الى حجم مصالحهما المترابطة، والى استبعاد موافقتهما معاً على إعطاء إيران أيّ دور، ما لم يُتّفق معها على سبل إنهاء برنامجها النووي الذي يختلفان على تفسير نتائجه، في أيّ حال.

يقول مصدر أميركي مطّلع إنّ المواقف الأميركية الرسمية منها أو المسرّبة، أكّدت إستحالة إعطاء النظام السوري وحلفائه في السلم ما لم يتمكنوا من أخذه في الحرب، وإنّ عقدة الرئيس بشار الأسد تبقى الأساس، في حين أنّ إشكالية المعارضة هي العنصر الثانوي، خصوصاً انّ محاولات النظام الحثيثة التي خاضها ولا يزال بالتعاون والتكافل مع روسيا، لاستبدالها بمعارضته هو، إنتهت عملياً الى الفشل.

ويشير المصدر الى أنّ الإجتماع المقبل لـ»الإئتلاف الوطني السوري» في اسطنبول، بات في حلّ من ضغوط تحديد موقف جازم من قضية مشاركته في «جنيف ـ 2»، تحت أيّ سبب. فالسعوديون قايضوا فعلاً ملف الأزمة السورية بالملف النووي الإيراني، واستمعوا من كيري الى عرض طويل عن الخطوات السياسية التي تنوي واشنطن تحقيقها في ملف المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية.

ويكشف المصدر أنّ القيادة الإسرائيلية تجري بدورها نقاشاً معمّقاً لهذا العرض الذي سيتحوّل في الأسابيع المقبلة مبادرة رسمية، ويتضمّن تشديداً على ضرورة الإفادة من الفرصة السانحة لعقد اتفاق بين الطرفين، خوفاً من تكرار تجربة ضياع فرصة تحقيق السلام، على غرار ما حصل خلال حقبة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون.

مسؤولة ملف التفاوض عن الجانب الإسرائيلي تسيبي ليفني قالت كلاماً واضحاً وصريحاً بهذا المعنى، خصوصاً أنّ الإسرائيليين، أو بعض قياداتهم السياسية، يخشون من أن يتحوّل تعنّت بلادهم في منح الفلسطينيين اتفاقاً مقبولاً بالحدّ الأدنى، الى انتفاضة، ليس بالضرورة أن تأخذ شكل الإنتفاضات الفلسطينية السابقة.

فإذا كان «المعروض» في المنطقة العربية لا يتعدّى التطرّف مقابل التطرّف، فمَن يضمن للإسرائيليين وللفلسطينيّين معاً عدم تسلّل تنظيم «القاعدة» الى مناطق الضفّة الغربية نفسها؟

إسرائيل التي ترفض من جهة أخرى منحَ إيران أيّ دور إقليمي، مُطالبة بدورها بحلّ إشكالية العلاقة مع الأكثرية السنّية، إذا أرادت تحصين شروط مواجهتها لطهران. وتتردّد أصداء هذا النقاش الإسرائيلي في واشنطن التي ترى أنه لا يمكن التصدّي لخطر الأصولية السنّية، في معزل عن تحقيق حلّ للقضية الفلسطينية.

أوساط اميركية أخرى تعزو عدم تحقيق حلّ سياسي في سوريا الى استحالة إيجاد نقاط وسطية بين طرفَي النزاع، لا سيما أنّ عدوى التفكّك والتشرذم لا تصيب المعارضة السورية وحدها. فقد أظهرت الأحداث الأخيرة أنّ النظام وآلته العسكرية وتشكيلاته الميليشيوية، باتت خارج التأثير والفعالية من دون تدخّل إيران المباشر، سواء عبر «حرسها الثوري» او عبر «حزب الله» والميليشيات العراقية.

وتؤكد تلك الأوساط أنّ كيري استمع الى «طلب» سعودي عن نية الرياض إعادة تغيير ميزان القوى على الأرض، تلازماً مع إجراءات سياسية جوهرية تُعيد الحدّ الأدنى من تماسك قوى المعارضة، وتعديل في هوية الفاعلين منها.

فالضغوط التي تتعرّض لها القوى المعتدلة من تشكيلات «الجيش السوري الحر» ستفرض إعادة هيكلته قيادياً وميدانياً، كذلك فإنّ إراحة «الإئتلاف المعارض» برئاسة أحمد الجربا من ضغط «جنيف – 2»، ستمكّنه مرة أخرى من إعادة لملمة صفوفه وترميم صُدقيته ميدانياً.

غير أنّ الأميركيين يشكّكون جدّياً في إمكان نجاح هذه المساعي، إذ إنّ تعقيدات أوضاع المعارضة مرتبطة بنزاع القوى الإقليمية وبالتدخّلات والإملاءات التي تُمليها على جماعاتها. ولا يُخفى على أحد أنّ تلك النزاعات تشمل من يوصفون بأنهم جزء من محور واحد، فيما الخلاف هو على دور الإسلاميين، سواء كانوا من المتشدّدين أو من يوصفون بالمعتدلين.

فسقوط تجربة «الإخوان المسلمين» في مصر وترنّحها في تونس وردّات الفعل التركية والقطرية في مواجهة قوى الصف الواحد من المعسكر الآخر الذي تقوده السعودية، وعدم قدرة تلك الأطراف على حلّ مشكلة الأقليات فيها، سواء في تركيا أو غيرها، يجعل الحديث عن تسوية سياسية في سوريا من سابع المستحيلات، على الأقل في المدى المنظور.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل