#adsense

ماذا لو فرغت رئاسة الجمهورية!

حجم الخط

 

لا يبدو حتى الساعة أن ثمة حلحلة في عملية تشكيل الحكومة ولا يبدو أن في الأفق الإقليمية والدولية ما يساعد على تشكيلها في المدى المنظور أو المتوسط أو حتى الأبعد. فلبنان ، ويا للأسف، هو في آخر أهتمامات الدول ويبدو وكأنه يستخدم كمستودع لكي لا نقل مزبلة لكل القذارات التي تفرزها صراعات المتجبرين في المنطقة وعلى المنطقة ضد صالح شعوبها.

فلبنان هو الحلقة الأضعف في المنطقة من زاوية أنه لا يشكل مصلحة إستراتيجية بالنسبة لمجتمع دولي عاجز ومترهل ويتلطى وراء مقولة أن لبنان له قدرة فائقة على تجاوز المحن وعدم الوصول إلى مرحلة الإحتضار، ذلك لتحميله أثقال تسمح لدول القرار أن تسير الأمور لحسابها في المنطقة وعلى حسابه.

أما أميركا-أوباما، فيبدو أنها تنظر إلى لبنان كما كانت تنظر إليه بعض الإدارات الأميركية السابقة، على أنه «لا دولة» (no state) و»لا بلد» (no country)، بل ساحة أو بالأحرى حلبة صراع و»كرنتينا» الشرق الأوسط، كما وصفه جورج شولتز، وزير خارجية أميركا، في عام 1983 عندما أخرج الرئيس رونالد ريغن الجيش الأميركي من لبنان على إثر عمليات حزب الله ضد جنوده.

والحقيقة، أن لبنان، بنظر الإدارة الأميركية الحالية، حتى لو لم يتم المجاهرة بهذه الحقيقة، بلد يمكن الإستغناء عنه (dispensable country) والتضحية به بحيث يستخدم لتنفيس تناقضات المنطقة كي لا تنفجر في بلدان ذات أهمية «أكبر» بالنسبة لأميركا أو أقله كي يخفف عبء هذه التناقضات عنها وبالتالي للمساهمة بسلامتها، ولو على حساب لبنان.

من ناحية ثانية، فالإستحقاقات الدستورية داهمة ومتشابكة: تنتهي ولاية المجلس النيابي الممدد له وغير الصالح للتشريع طالما الحكومة مستقيلة، بتاريخ 20 تشرين الثاني، والحكومة تصرف أعمال ريثما تشكل حكومة جديدة لن تشكل، وتنتهي ولاية الرئيس سليمان بتاريخ 25 أيار 2014، أي بعد ما يقارب الستة أشهر من اليوم.

لماذا لا إمكانية لتشكيل حكومة؟ لأن الرئيسين سليمان وسلام لم يقدما على تشكيل حكومة وسطيين عندما كانت الظروف تسمح بذلك، ولن يقدما اليوم على هذا الخيار حيث الظروف باتت أسوء ولا تسمح بأن تنال الحكومة الثقة.

أما اليوم، وبإفتراض أن 14 آذار تجاوزت إعتراضها المبدئي للجلوس مع حزب الله الى طاولة مجلس الوزراء أو الحوار، ألا وهو أن يقبل الحزب بمبدأ تسليم سلاحه للدولة ويؤكد إلتزامه ببحث برنامج عملي لتسليمه (ما لم يحصل بالظروف الراهنة بالتأكيد!)، وبافتراض أن 14 آذار تجاوزت أيضا» شرطيها بإنسحاب الحزب من سوريا وإعلان إلتزامه بإعلان بعبدا وقبلت، بالمبدأ، بتشكيل حكومة مساكنة (ولومستحيلة!)، فهل يصبح بالإمكان تشكيل الحكومة؟؟!!

لا أظن! فالمشاحنات سوف تطاول في المرحلة الأولى توزيع الوزارات على 14 و8 والمستقلين، كما على تسمية الوزراء ومن يحق له أن يوزع ومن يحق له أن يسمي. والمرجح أن تطول هذه المرحلة وقد تتجاوز تاريخ 25 أيار 2014.

وبإفتراض تشكيل الحكومة قبل هذا التاريخ، من الصعوبة الجمة، إن لم نقل من الإستحالة أن تتوصل الحكومة العتيدة إلى الإتفاق على بيانها الوزاري لنيل الثقة في فترة شهر من تاريخ تشكيلها، فتتحول حكومة تصريف أعمال وفق المادة 64 من الدستور، ويظل الإلتباس الدستوري قائما» بما يخص توصيفها بحكومة مستقيلة.

إن سبب عدم الإتفاق على البيان الوزاري يكمن في تمسك حزب الله بإدراج الثالوث غير المقدس (جيش،شعب، ومقاومة) أو ما يعادله، على متن البيان الوزاري ورفض 14 آذار القاطع لهذا الأمر.

من هنا، يتبين أن لبنان سوف يصل إلى تاريخ 25 أيار 2014 مع حكومة تصريف أعمال، أكانت حكومة ميقاتي أو حكومة سلام، إذا شكلت.

أما بما يخص الإنتخابات الرئاسية، فيبدو لي انه من رابع المستحيلات أن ينتخب رئيس من 14 أو 8 آذار، ذلك أن تفسير المادة 49 من الدستور حتى يومنا هذا، يؤكد أن نصاب الدورة الأولى للإنتخابات هو غالبية الثلثين من مجلس النواب، ولأنه في ظل التجاذب الحاد القائم بين 14 و 8 وإستمرار موازين القوى على حالها، لا إمكانية من إعتماد تفسير النصاب بالنصف زائد واحد.
لذا، فإذا ثمة إجراء للإنتخابات الرئاسية، لا بد من التوافق بين 14 و 8 على رئيس ما. ولا يبدو أن هكذا توافق ممكن. فمن لم يتمكن من الإتفاق على قانون إنتخاب وعلى حكومة، فلن يتوافق على رئيس للجمهورية.

فإذا فرغت رئاسة الجمهورية بتاريخ 25 أيار 2014، يصبح المجلس النيابي منعقدا» حتى إنتخاب رئيس جديد. غير أن عمر المجلس النيابي لا يتعدى تاريخ 20 تشرين الثاني 2014. وإذا مدد المجلس النيابي مرة ثانية لنفسه، على إعتبار أنه سيد نفسه، من سيوقع قانون التمديد هذا؟

وماذا عن صلاحيات رئاسة الجمهورية؟! من يمارسها؟ هل يحق لحكومة مستقيلة أو تصريف أعمال أن تمارسها إلى حين إنتخاب رئيس الجمهورية؟ الآراء تتضارب حول هذه النقطة أيضا».

لا شك أن هذه التعقيدات الدستورية سوف ترفع من حدة المواجهات السياسية بين 14 و 8 آذار، إلى جانب التوترات الأمنية المتصاعدة والناتجة من إستمرار الصراع في سوريا وإحتدامه.

الحقيقة، أن رئاسة الجمهورية هي المؤسسة الدستورية المتبقية وهي من يؤمن لدولة لبنان وجودها بالحد الأدنى ومن يتحدث بإسمها ومن يؤمن التوازن بين الأطراف السياسية والطائفية والمذهبية المتنازعة ومن يبقي شمعة الكيان اللبناني مضاءة.

كما أن أهمية الرئاسة تكمن في أن بفراغها تتعطل آلية إنتاج السلطة وعملها. فلا تشكيل حكومة ممكن ولا قانون ولا مرسوم يمكنه أن يمر دون توقيع الرئيس…

إن الفراغ في رئاسة الجمهورية يوصل إذن إلى فراغ وفوضى دستورية في ظل عاصفة إقليمية عاتية قد تطيح بلبنان الكيان والوطن والدولة (إنظر إلى مقالتي السابقة بعنوان «فلنتصد للمخاطر التي تحيط بلبنان من كل صوب»).

لذا، المطلوب من الذين يحرصون على لبنان أن يعطوا الأولوية المطلقة في جهودهم للحيلولة دون الوقوع في محظور الفراغ.
وقد يكون الحل الوحيد المتاح هو في إعادة إنتخاب الرئيس سليمان، ولو لمدة محددة، ولو بمعاكسة إرادته!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل