لم يعرف لبنان التعابير القصوى للعنف الأقصى وممارسته بأشنع الأساليب إلاّ بعد إخضاعه للنظام السوري مع بدء الحرب فيه وعليه سنة 1975.
قبل ذلك، كان العنف إنتقاماً وردّة فعل وعملاً فرديّاً في معظمه، فطوّره النظام إلى نهج سياسي وفعل جماعي و”ثقافة” عامّة.
ولعلّ الكلمة النموذجيّة للتعبيرعن الغلوّ في العنف كانت “البتر”. فطالما سمعنا هذا التعبير على ألسنة قيادات النظام وكوادر “البعث” وضبّاطه الكبار. “البتر” بمستوييه: قطع الأعضاء والإلغاء الكامل.
وقد مارسوا البتر بكلّ ألوانه وأشكاله ومعانيه، ضدّ كلّ من خرج على طاعتهم أو تمنّع عن الإلتحاق بهم، سواء في السياسة أو الأمن ، فعمدوا إلى التفجير والإغتيال وزرع الفرقة والحقد ضمن البيت الواحد والحزب الواحد والطائفة الواحدة.
وحين انسحب جيش النظام من لبنان، ظنّ اللبنانيّون أنّهم ارتاحوا من “ثقافة” البتر ، واستعادوا “عنفهم” البلدي التقليدي الذي لا يرقى إلى مستوى الإلغاء والحذف والبتر، بل استعادوا سلميّتهم التي تبقى ضمن الصراع المقبول على النفوذ والسلطة بدون عنف منهجي عقائدي موصوف.
لكنّ ما حصل هو أنّ النظام أبقى مخابراته وأدواته للإستمرار في نهج القتل والإغتيالات، وتبيّن أنّه زرع بذوراً لنهجه، وترك وراءه قوى وأحزاباً ومجموعات ثقّفها وعبّأها بعقيدة البتر والإلغاء.
وعلى هذه التنشئة نرى اليوم قادة “حزب الله” يتقنون اللغة نفسها والأداء نفسه. فبعد إطلالات التهديد للسيّد حسن نصرالله، وآخرها تخييره “14 آذار” بين الأسوأ والأسوأ، أكمل الصفّ الثاني اللغة نفسها، فكان تهديد محمّد رعد ب”القطع” والإنتقال من الدفاع إلى الهجوم.
بين “البتر” و”القطع” لا فرق، ولا مسافة. إختلاف في اللفظ ووحدة حال في أساس العنف.
فما يفعله النظام في الشعب السوري يتوعّد “حزب الله” بفعله في اللبنانيّين (وقد أجرى بروفا أوّليّة عامَي 2008 و 2011 في بيروت والجبل). هناك بتر للمعارضين وهنا قطع للمعترضين.
بعد كلام رعد عن “قطع” 14 آذار، جاء بيان الكتلة التي يرأسها بمثابة “بلاغ رقم 1″، تحضيراً لانقلاب ما يدور في رؤوسهم وغرفهم السوداء.
لكنّ المفارقة أنّ نصرالله كان قد رفع راية النصر منذ بضعة أيّام، فلماذا التهديد والوعيد وسنّ سواطير القطع ؟ فالمنتصر يكون مرتاحاً إلى وضعه، واثقاً من نفسه، غير محتاج إلى حرب جديدة ضدّ المهزومين. بل يطبّق قاعدة “العفو عند المقدرة”.
قد يكون “حزب الله” استطاب الإجهاز على أسراه السوريّين في حرب القصَيْر، فشاء أن يطبّق القاعدة نفسها في لبنان: منتصر وقادر ينقضّ على خصومه اللبنانيّين المجرّدين من أيّ أسلحة دفاعيّة، تماما كما كانت حال أسرى القصير. وبات شعاره: “الفتك عند المقدرة”.
إذاً، النظام السوري و”حزب الله” وجهان لعملة واحدة، فعِشرة جيل كامل (أكثر من 30 سنة) وحّدت العقيدة والأسلوب، وحتّى اللغة، فلا نستغربنّ تحالفهما الجيني العضوي في لبنان وسوريّا وعلى طول “جبهة المقاومة والممانعة”.
ولكنّ انقضاضهما على السوريّين واللبنانيّين يتناقض مع إعلانهما الإنتصار. الإنتصار يعني الترفّع وعدم الإنتقام من الضحيّة ، فلماذا كلّ هذا الغضب والتهديد؟
في الواقع، ما يسمّيانه انتصاراً ليس سوى نقلة صغيرة غير ثابتة في معركة جزئيّة في سوريّا، وتعطيل للحكومة والمؤسّسات في لبنان. وتكمن الغرابة في أنّهما أسّسا “انتصارهما” على عطف “الشيطان الأكبر” وانفتاحه على إيران!
فحوار نووي هنالك، واسترجاع قرية هناك، وتعطيل حكومة هنا، لا تشكّل انتصاراً، بل هي تعقيد إضافي لوضعهما وللوضع السوري واللبناني العام، وهما يدركان أنّهما غير منتصرَيْن، لا أمس ولا اليوم ولا غداً، وأنّ تضخيم الصوت والخطاب هو مجرّد تشجيع للذات ورفع للمعنويّات.
الرؤوس التي قطعها الحجّاج بن يوسف أو هدّد بقطعها شاهدة على دمويّته، وهو طواه الزمن، منذ قرون.
وحال الحجّاج بن رعد، ومَنْ وراءه وأمامه من حجّاجيّ “المقاومة والممانعة”، ليست أفضل من حجّاج التاريخ.
والتاريخ خير معلِّم، وأصدق شاهد.